رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الإثنين 22 أبريل 2019

الشرطة الجزائرية تستخدم خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين

منى فياض/

تعيدنا أحداث الجزائر والسودان إلى سؤال الثورات العربية، هل هي ثورات؟ هل هي ربيع عربي؟ أم شتاءه.

كما نعتت لاحقا!! ما حدا بالرئيس اللبناني بوصفها مؤخرا: بالجهنم العربي!!! الغريب أن وصفه تزامن مع ما يحصل في الجزائر وفي السودان وهما حراكان أقل ما يقال عنهما أنهما سلميّان بامتياز. فآلاء صلاح التي تجوب صورتها العالم، ظلت منذ بداية الحراك تتنقل من موقع إلى آخر بطقس تفوق حرارته 40 درجة مئوية، بثوبها التقليدي الأبيض، وقرطها الذهبي المدور، لتردد "شعبي يريد ثورة".

هتفت آلاء بأبيات شعريّة للشاعر أزهري محمد علي، الذي كتب لأمه رسالة وداعٍ واعتذارٍ لنكثه عهدا قطعه لها بعدم التحدث في السياسة في زمن حكم العسكر. ومن بين أبياته:

الخوف عديم الساس.. وأنا جدي ترهاقا....

حبوبتي كنداكة.. وعبد الفضيل الماظ

فراس بشيلو الرأس..

و"الكنداكة"هو لقب الملكات الحاكمات في الحضارة النوبية، في إشارة الى قيادة الجدات اللواتي حكمن منذ آلاف السنين.

الصور والأخبار التي تردنا من الجزائر والسودان تعيد إلى الأذهان بدايات الثورات العربية التي انطلقت تحت شعارات وبممارسات سلمية. أذكر أني تلقيت في مطلع الحراك في مصر تعليمات مصورة عن كيفية التعامل مع رجال الأمن والعسكر وعن حمل الورود وتقديمها لهم لأنهم ليسوا "الأعداء" بل هم جزء من الشعب ومعاناته.

حينها أهم ما كرّسه الشباب المصري المنتفض، الممارسات المدنية والمتمدنة النموذجية بدءاً من النظافة مروراً بهتاف "سلمية، سلمية" الشهير. كما يحصل في الجزائر والسودان اليوم. انتقلت شعارات سلمية سلمية إلى سوريا وبحت حناجر الشباب السوري طيلة سبعة أشهر من دون أن تلقي الدعم المطلوب، ما حدا بالنظام إلى قطع حنجرة المغني قاشوش ورمي جثته في النهر. واجتاح العنف الذي خطط له النظام وحلفاؤه الإقليميين سوريا التي تحولت جحيماً جعلوه "ماركة مسجلة" ألصقت بشباب الثورات وأصحابها. مع أن التتبع الموضوعي للثورات تدهشه ردود فعل المتظاهرين المسالم خصوصا في ميدان التحرير في القاهرة وعدم ردهم حتى على عنف الشرطة أو البلطجية. كما ثباتهم في الجزائر وفي السودان الآن وكأني بهم يردون على جميع الكليشيهات المجحفة التي لحقت بصورة العربي "الإرهابي" في العالم.

يبدو أن زمن الثورات العنيفة التي يعرّفها قاموس لاروس كتغيير مفاجئ وعنيف للبنية السياسية والاجتماعية للدولة؛ قد ولّى.

كأن ما يحدث في الجزائر وفي السودان، كتكملة لما حدث عام 2011، يبرهن أن هناك استعادة، ولو غير معلنة، لأسلوب غاندي في محاولة الإطاحة بالاستبداد عن طريق اعتماد مبدأ اللاعنف، أو المقاومة السلمية والسلبية من أجل إحداث التغيير السياسي المطلوب تجاه الاستبداد والقمع السياسيين.

إذ من الملفت أنه منذ بدايات الألفية الثالثة التي افتتحت مع الزلزال المشهدي العنيف لتفجير برجي المراقبة الأميركيين في 11سبتمبر 2001 ، وما تلاها من ظهور حركات إرهابية تحت شعار الإسلام السياسي واستعادة الدولة الإسلامية المزعومة، وكأنها ساهمت في ترسيخ إدانة أخلاقية غير مسبوقة للعنف. من هنا نجد أن الثورات باتت تلجأ إلى التحركات السلمية كالتظاهرات، وتأخذ طابع العصيان المدني مستخدمة الرموز والشعارات وبخاصة الألوان والأعلام، للتعبير عن رفضها للواقع ومحاولة تغييره.
بدأ الأمر مع الثورة الوردية، أو ثورة الورود في جورجيا في العام 2003،. ومن ثم تبعتها الثورة البرتقالية في أوكرانيا في العام 2004، والتي ساعدها اعتمادها على اللون البرتقالي كشعار لها لكي تلمس مدى اتساع دائرة تأثيرها قبل شيوع الفايسبوك.

وتلا الثورة البرتقالية هذه انتفاضة الاستقلال اللبنانية عام 2005، وشعارها المكون من اللونين الأحمر والأبيض. أتت بعدها حركة الشباب والمجتمع المصري في 6 أبريل من العام 2008 عبر الإضراب العام الوطني والسلمي الذي شلّ الحركة في مصر. ثم الثورة الخضراء الإيرانية عام 2009 التي قمعت بوحشية غير مسبوقة.

نلاحظ إذن أن هناك مجموعة تحركات تحدث في العالم، وتجمع بينها أوجه تقارب عديدة، وتعبّر عن وجود تغيّرات مهمة على مستوى التعبير والتواصل، سواء على المستوى التنظيمي أم على مستوى مضمون التحرك الثوري السلمي نفسه. هناك نوع من نَفَس واحد خلف هذه التحركات الاجتماعية الشبابية، ومرجعية أو ذهنية سائدة تعبرها، إرادة التغيير من دون عنف. إذ ليس مجرد مصادفة حدوث جميع هذه التحركات بشكل متقارب، وبين مجتمعات شديدة البعد والاختلاف عن بعضها البعض، دون أن ننسى فنزويلا.

إنها رياح تغيير جديدة تهب على المجتمعات حاملة معها بعداً عالمياً جديداً يجمع ويقرب بين مختلف مكوناته.
فالعالم يزداد قربا كلما ازداد تنوعا؛ وهذا بتأثير ثورة المعلومات والتقنيات العديدة التي توفرها، والتي ساعدت على تمرير الأفكار وحملها عبر الحدود والسدود والحواجز، سواء الأمنية أم الثقافية أم الاتنية ...

هناك الآن مفاهيم محرّكة وهي عبارة عن مطالب جوهرية بسيطة تشمل حقوق الإنسان الأساسية مثل العدالة والمساواة والكرامة والحرية الشخصية وحرية التعبير والاختيار وفكرة المواطنة والوطن الديمقراطي. صارت جميعها من البديهيات التي يعتقد كل شاب وشابة بحقهما في امتلاكها.

ما تعجز السلطات عن استيعابه أن غالبية الشعوب العربية، هم من الجيل الشاب الذي ولد، وعليه أن يستمر في العيش، تحت حكم أشخاص لا علاقة له بهم ولا بمنظومتهم أو مرجعياتهم السياسية والأخلاقية والقيمية.

أما لمن يهزأ من الثورات العربية ويسميها شتاء وجحيما وجهنما، فأنقل هذه الفقرة من كتاب موجز التاريخ لغومبريتش، وفيه نبذة عن الثورة الفرنسية لكي نتمهل في استنتاجاتنا:

بعد خسارة نابليون، اجتمع الامراء وامبراطور النمسا الذين هزموه في فيينا للتفاوض وتقاسم أوروبا بينهم عام 1814. كان رأيهم أن التنوير هو الذي جلب الكوارث على أوروبا. وأن فكرة الحرية تحديدا هي المسؤولة عن كل الاضطرابات التي وقعت خلال الثورة. لقد أرادوا أن يلغوا الثورة بأكملها. كان ميتيرنيخ تحديدا عازما على أن يعود كل شيء لما كان عليه وألا يسمح بأن تقوم قائمة للثورة.

ونصب لويس الثامن عشر وعادت حليمة إلى عادتها القديمة في البذخ والتبذير.. وكأن 26 عاما من عمر الثورة لم تكن؛ مما زاد في سخط الفرنسيين.

لكننا نعلم جميعا أن الكرة بأكملها صارت يتبنى مقولاتها البسيطة بعد مائة عام: حرية وإخاء ومساواة.

في ظل العولمة، وكي تنجح الثورات، تحتاج إلى دعم وتشجيع خارجيين أيضا. وهذا ما تحرم منه الثورات العربية.

يبدو حتى الآن أن البحث جار على مستوى النظامين الجزائري والسوداني، بدعم من النظام التقليدي العربي، عن بدائل عسكرية مخففة للالتفاف على الثورتين واجهاضهما بالحيلة. ربما وحدها تجربة النظام السوري التي دمرت سوريا للحفاظ على النظام وإبقاء الاسد بالقوة تجعلهم يتريثون.

ولكن الزمن لا يعود إلى الوراء.

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جانب من احتجاجات "الجمعة السابعة" في الجزائر العاصمة

عريب الرنتاوي/

ما إن اندلعت الأزمة الخليجية بين قطر من جهة وكل من دول الرباعي العربي (مصر، السعودية، الإمارات والبحرين) من جهة ثانية، حتى تحولت دول الأزمات المفتوحة في العالم العربي إلى ساحات جديدة لحروب وكالة من نوع جديد، تدور رحاها هذه المرة بين حلفاء الغرب والولايات المتحدة، بعد أن ظل هذا النوع من الصراعات مرتبطا بتلك الدول والمجتمعات التي تحظى فيها إيران بنوع خاص من النفوذ كسوريا والعراق واليمن.

ونبدأ باليمن، حيث نشطت قطر في إطار التحالف العربي بقيادة السعودية في بدايات تشكيله، وأرسلت ما يقرب من الألف جندي للمرابطة على الحدود السعودية اليمنية، قبل أن تسارع إلى سحب قواتها والانسحاب من التحالف، بل والبدء بتلقي الاتهامات عن دعمها "السرّي" لجماعة الحوثي، حتى وهي تدعي القتال ضدهم في إطار التحالف.

اليوم، ثمة ما يكفي من المعطيات الدالة على تموضع قطري جديد، أقرب إلى موقع سلطنة عمان، إن في علاقتها مع الحوثيين، أو في دعمها لبعض قبائل المهرة المناهضة للوجودين السعودي والإماراتي في المحافظة الحدودية مع عمان، وانتهاء بالعلاقة النشطة مع التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين)، ومحاولاتها إبعاده عن التحالف (وربما تقريبه من الحوثي)، مع كل ما ترتب أو يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات ميدانية على حرب السنوات الخمس في هذا البلد المنكوب وعليه.

صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه، ويهدد بتحويل الانتقال إلى أزمة، وينذر بإطالة أمدها

ليبيا تنهض شاهدا على حرب الوكالة بين الغرب ودوله وحلفائه. هنا بخلاف اليمن، لا دور لإيران وحلفائها على الإطلاق. هنا تحضر تركيا، عضو الناتو وحليفة قطر، بوصفها لاعبا له تأثير. هنا يتحرك الرباعي العربي الذي يحاصر قطر، دعما للجنرال خليفة حفتر، فيما تكثّف الدوحة وأنقرة من دعمهما لحكومة الوفاق وطرابلس والغرب الليبي. هنا تُخترق القرارات الأممية دون ضجيج، فيستمر إرسال السلاح والمرتزقة و"المجاهدين" إلى هذه البلاد، بأقل قدر من "التغطية الإعلامية". هنا، يجد الموفد الأممي غسان سلامة نفسه في ذات المكان الذي وجد ستيفان ديمستورا نفسه فيه من قبل، وفي نفس الموقع الذي يجد مارتن غريفيث نفسه فيه اليوم، مع فارق رئيس واحد: في سوريا واليمن، كان من السهل إلقاء اللائمة والتبعية على إيران وحلفائها. هنا جُرْح الغرب في كفّه، فالمتقاتلون هم بيادق بيد دول حليفة للغرب، والصراع الفرنسي الإيطالي في ليبيا وعليها، يجعل الدبلوماسية والإعلام الدوليين، معطلين عن الحركة والحراك. هنا سيتعين على الشعب الليبي أن يدفع الأثمان الباهظة للصراع على بلده بموقعه وثرواته، من دون أن يأمل بحل سريع لأزماته، أو بمرحلة انتقال أكثر يسرا وسلاسة، أو بعدالة انتقالية لا يفلت منها مقترفو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أياً كان الفريق الذي ينتمون إليه.

ومن ليبيا إلى السودان، الذي يشهد واحدة من أكثر ثوراته الشعبية السلمية ندرة في تاريخه. "الأخوة الأعداء" لا يطيقون صبرا ولا ينتظرون طويلا. صراع على "مرحلة الانتقال" بأهدافها و"رموزها".. بعد أشهر من المماطلة والتسويف، عملت فيها أطراف عديدة على "تعويم" عمر حسن البشير، الرجل الذي نجح في الرقص على مختلف حبال المحاور الإقليمية المشدودة، فأعطى هذه المحاور بعض أو كثير مما تريده.

أعطى السعودية والإمارات جيشا في اليمن لقتال أذرع إيران في "عاصفة الحزم".. وأعطى تركيا، غريمة الدولتين الخليجيتين الحليفتين جزيرة "سواكن" لتسكن إليها.. انفتح على قطر، وأدار علاقة طبيعية نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتطوع لقيادة وساطة بين دول الرباعي العربي ودمشق.. كل هذه الحركة "البهلوانية" لم تنفع البشير، ولم تغفر له، عندما خرج شعبه عن بكرة أبيه مطالبا بالحرية والكرامة والعيش الكريم.. لن يمضي وقت طويل قبل أن يبدأ حلفاء البشير بالتخلي عنه، والبحث عن بدائل له تحفظ لكل محور مصالحه وما يحتاجه.

بتنا نعرف اليوم، أن الصراع بدأ منذ اللحظة الأولى التي نصّب بها الجنرال ابن عوف نفسه رئيسا للمجلس الانتقالي، الرجل متهم بجرائم حرب في دارفور، والعلاقة معه عبء إضافي على حلفائه وأصدقائه.. إلى أن جاء الجنرال عبد الفتاح البرهان، الرجل مقرب من السعودية والإمارات، وهو قائد سابق للقوات السودانية العاملة في اليمن، ومن خلال موقعه، نسج جملة علاقات مع الرياض وأبوظبي، وهو ما يؤهله لأن يكون رجل هذا المحور في الخرطوم، فاستحق قرارات الدعم الفورية والمساعدات السخية، واستدعى وجوده على رأس الهرم القيادي العسكري في الخرطوم، حجيجا من الوفود العسكرية والأمنية والسياسية، كل واحد منها يريد ضمانات وتعهدات ببقاء السودان على علاقة طيبة مع هذه العاصمة أو ذاك المحور، وتحولت التغطيات الإعلامية للحدث السوداني، إلى ساحة صراع، بين قنوات ومحطات ووسائط إعلامية محسوبة على كل من الدوحة والرياض وأبو ظبي والقاهرة وأنقرة..

صراع الأخوة الأعداء، يحتدم في السودان اليوم وعليه، ويهدد بتحويل الانتقال إلى أزمة، وينذر بإطالة أمدها، ويشف عن محاولة مصرية ـ خليجية لتفريغ الانتقال نحو الديمقراطية من أي مضمون، بالالتفاف على مطالب المحتجين وشعارات الحراك الشعبي غير المسبوق، وإبقاء السلطة بين يدي "الدولة العميقة"، تماما مثلما كانت وظيفة "المبادرة الخليجية" لحل الأزمة اليمنية في بدايتها.

بعد عامين من اندلاع الأزمة الخليجية، وبعد فشل المبادرات لحلها واحتوائها، يبدو أن هذه الأزمة أخذت بالتمدد والتفشي

وفي الجزائر، تدور الصراعات ذاتها، وربما بالأطراف ذاتها، ولكن بقدر أقل من التأثير.. فالأطراف الجزائرية الخارجة من مأساة "العشرية السوداء" تبدو أكثر حذرا في مقارباتها، والجزائريون الفخورون بتضحياتهم في حرب الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، يبدون أكثر حساسية حيال التدخلات الخارجية في شؤونهم الداخلية، حتى وإن جاءت من أطراف عربية أو إسلامية شقيقة.. و"الدولة العميقة" في البلاد، تبدو أكثر "عمقا" من غيرها من دول الأزمات المفتوحة.. ولقد أدت هذه العوامل مجتمعة، إلى تقليص أثر "العامل الخارجي" في الأحداث الجزائرية قياسا بما هو عليه الحال في دول الأزمات المفتوحة الأخرى في المنطقة.

لكن هذا الحال قد لا يستمر طويلا، إن عجز الجزائريون عن التوافق على "خريطة انتقال سياسي"، من نظام بوتفليقة و"شرعيته الثورية" كما توصف، إلى نظام جديد، مدني ديموقراطي، يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة.

والخلاصة أنه بعد عامين من اندلاع الأزمة الخليجية، وبعد فشل المبادرات لحلها واحتوائها، يبدو أن هذه الأزمة أخذت بالتمدد والتفشي، لتطاول مختلف ساحات الصراع والأزمات المفتوحة في المنطقة برمتها، وتتهدد بتفاقمها وارتفاع تكاليفها، وسط انخراط مباشر متزايد من قبل دول غربية في بعضها، إن لم نقل جميعها، وتحديدا تلك التي تندلع على الضفة الجنوبية للمتوسط.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG