رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الخميس 25 أبريل 2019

ورود تكريما لضحايا الهجمات الانتحارية في سريلانكا

سناء العاجي/

منذ بضعة أسابيع، ارتكب مجرم متطرف جريمة في حق عشرات المصلين بأحد المساجد في نيوزيلندا، وذلك خلال صلاة الجمعة.

حينها، انبهر العالم بالموقف الإنساني للحكومة والشعب النيوزيلنديين، وبشكل خاص برئيسة حكومته التي عبرت عن موقف إنساني رائع ومبهر.

خلال أسبوع، تم رفع الآذان في الجامعات والكنائس النيوزيلندية، وحمى مئات المواطنين النيوزيلنديين مواطنيهم المسلمين خلال أداء الصلاة ليوم الجمعة الموالي.

حينها، اعتبرت بعض الأصوات المهووسة بالذات بأن ذلك كان يعبر عن انبهار بالإسلام. الحقيقة أن ذلك الموقف الإنساني كان تعبيرا عن قيم كونية أخلاقية إنسانية سامية، أكثر منه تقديرا أو انبهارا بدين بعينه. لقد ترجم النيوزيلنديون حينها إيمانهم الحقيقي والفعلي بقيم الحق في الاختلاف والمساواة، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق.

نحن نعيش على بعد سنوات ضوئية عنهم، لأننا، حين يقتل متطرفون مسلمون ضحايا مسيحيين أو يهود، سنجد دائما بيننا من يبرر القتل

بالمقابل، على سبيل المثال، فإن الشرطة البلجيكية، حين حاولت السنة الماضية إلقاء القبض على بعض المتهمين في عمليات إرهابية حدثت في فرنسا، فوجئت بحماية عدد من المغاربيين المسلمين المقيمين في ذلك الحي للمتهمين وبمنع الشرطة من إلقاء القبض عليهم؛ باسم الانتماء الديني والقومي المشترك!

وحتى حين لا يسعى البعض لمنع الشرطة من إلقاء القبض على المتهم في قضايا مشابهة، فإنهم يجدون له المبررات!

لدينا من جهة مجتمع يدين المتهم (الذي يشبهه دينيا وعرقيا) ويتضامن مع الضحية، رغم اختلافها عنه ثقافيا ودينيا وعرقيا... ومجتمع يتضامن مع المجرم، لمجرد أنه يشبهه في دينه... أو في تطرفه! ومع ذلك، فنحن لا نخجل حين يعتبر البعض منا أننا "خير أمة أخرجت للناس".

نحن نعيش على بعد سنوات ضوئية عنهم، لأننا، حين يقتل متطرفون مسلمون ضحايا مسيحيين أو يهود، سنجد دائما بيننا من يبرر القتل؛ وسنجد من يردد بأن "الإرهابي لا يمثل الإسلام"... علما أنه يقتل باسم فهمه للإسلام!

هل نعي مثلا أن النيوزيلنديين حينها كانوا يستطيعون أن يقولوا إن ذلك المتطرف المجرم لا يمثل نيوزيلندا وقيمها... وسينتهي الأمر؟

كانوا حينها سيشبهوننا في جبننا وتبريرنا المجرم للتطرف... لكنهم ما كانوا حينها سيشبهون قيمهم الإنسانية الجميلة!

اليوم، ها نحن نعيش مأساة إنسانية جديدة، بسبب الجريمة الإرهابية التي ارتكبها مسلمون هذه المرة، في سريلانكا.

فهل سنمتلك جرأة الإنسانية؟ هل سندين هذه الجريمة أم أننا سنكتفي بالاستنكار وبأن نقول مجددا إن المجرمين لا يمثلون الإسلام وبأن هذه الجريمة الإرهابية هي مؤامرة مخطط لها من الغرب الكافر لتشويه صورة الإسلام والمسلمين؟

لقد ذهبت نرجسية البعض حد اعتبار حريق كاتدرائية نوتردام في باريس مؤامرة غربية تم التخطيط لها بعد التعاطف العالمي الكبير مع المسلمين جراء الحادث الإرهابي في نيوزيلندا، بحيث "أراد الغرب إعادة الاهتمام للمسيحيين، فخطط لحريق الكاتدارئية".

إن لم يكن الأمر تعبيرا عن نرجسية مرضية، فسيتعذر علينا تصنيفه. ولعل كثيرين بيننا يحتاجون لعلاج نفسي مكثف حتى نتخلص من إحساسنا العميق بأن الكون كله يجتمع ليتآمر ضدنا، علما أننا لسنا أفضل الشعوب تكنولوجيا ولا ثقافيا ولا حقوقيا ولا إنسانيا... فلماذا يا ترى سيتآمر العالم ضدنا؟

اليوم بعد الحادث الإرهابي في سريلانكا، هل سنسمح للمسيحيين بالصلاة في مساجدنا؟ هل سنرتدي الصلبان تضامنا معهم؟ هل سنحمي صلواتهم المقبلة؟ هل سندين، على الأقل، القتلة؛ بدل تبرير فعلتهم أو الاكتفاء بترديد كونهم لا يمثلون الإسلام؟

إلى متى سنعتبر بأننا "نستحق" تعاطف الكون معنا في مصائبنا، ونرفض التعاطف مع مصائب الآخرين

إلى متى سنعتبر بأننا "نستحق" تعاطف الكون معنا في مصائبنا، ونرفض التعاطف مع مصائب الآخرين؛ وخصوصا حين يكون الفاعل فيها منا (بل إن البعض قد يفرح خفية بذلك)؟ متى سندين الإرهاب بصوت واحد وبدون أي من لغات التبرير؟ متى سنعترف بحق الآخر في الاختلاف (وهي القناعة التي بنت وأسست لسلوك النيوزيلنديين مع مسلمي بلدهم)؟

متى سنعتبر بأن جنة تبني طريقك إليها بدماء الأبرياء (أو تبرر لهم ذلك)... ليست في الحقيقة إلا جحيما تزجنا فيه جميعا؟

ما دمنا، بعد حادث سريلانكا، غير قادرين على سلوك النيوزيلنديين... فلنمتلك على الأقل جرأة الاعتراف بأن شيئا من إنسانيتنا ليس على ما يرام.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
يبكون ضحايا الهجمات الانتحارية التي استهدفت سريلانكا

حسن منيمنة/

وفق ما تناقلته حسابات مؤيدة للجهاد، فإن "منفذي الهجوم الذي استهدف رعايا دول التحالف والنصارى في سريلانكا، أول أمس، من مقاتلي الدولة الإسلامية". الزعم جاء دون دليل، والأرجح أن العلاقة بين القتلة والتنظيم ليست مباشرة، أي أن الإعداد لسلسلة العمليات الترويعية الإجرامية التي وقعت يوم عيد الفصح لم يكن بقرار من قيادة هذا التنظيم الإرهابي، هذا إذا كانت بنى القيادة هذه ما تزال قائمة. غير أنه لا عزاء في ذلك، بل دليل جديد على الخطر المتواصل، والأصح المتعاظم، والمتحقق في أعقاب الكلام الترويجي الخاطئ عن إنزال الهزيمة بتنظيم الدولة.

فيما الاستهجان والاستنكار يصدر من كافة أرجاء العالم، من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك أن يضعوا هذه المأساة المستجدة والتي شهدت سقوط مئات الأبرياء من المصلين في تفجيرات انتحارية استهدفتهم في صلاتهم، في إطار الاعتداء المتواصل عليهم من جماعات جهادية إسلامية تريد اقتلاعهم من أوطانهم، بل تتحدث جهارا عن إبادتهم.

منطق الجهاد يعيش حربا عالمية بين الإسلام والكفر

من حقّهم استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها، موثّقة ومصوّرة بإصدارات مرئية وموزعة بكل اعتزاز في الأوساط المؤيدة للجهاد والمتعاطفة معه. بل من حقّهم أن يدرجوا هذه الجرائم الجديدة في إطار تاريخي، وإن اقتصر على القريب، يشمل من المجازر التي يكاد لا يتذكرها إلا أبناء من نجا من ضحاياها، والتي أهدرت دماء المسيحيين وأرواحهم، لما هم عليه من دين وإيمان، وإن اجتهد المؤرخون بإيجاد السياق السياسي والاقتصادي لهذه الأفعال.

"القصارى في نكبات النصارى"، كتاب موجود في أكثر من موقع، ينقل شهادات مؤلمة عن بعض هذه المآسي من الأمس المباشر، من المفيد لكل قارئ للعربية الاطلاع على محتواه لاستيعاب الأحداث، لا في إطار التفسير الصادر عمّن يراجع المادة التاريخية وفق المنهجيات النظرية، بل كما عاشها من كان عند الطرف الحاد للسكين.

الاستهوان الخبيث لهذه المآسي سرعان ما يأتي من خلال الإشارة الحاضرة الجاهزة لما يقابلها من مقاتل للمسلمين وظلم لهم. بل "شفاء الصدور" المزعوم للمتداولين للمواد الجهادية على مواقع التواصل الاجتماعي، في أعقاب الاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا يتحقق اليوم مع عدوان سريلانكا، مع الافتخار بأن رد الصاع كان أكثر من صاعين.

كاذبة هي الرواية القائلة بأن سريلانكا هي الثأر لنيوزيلندا، حيث أن التأصيل الشرعي لهذه التنظيمات قد انحدر من تجويز قتل غير المحاربين من حجة التترس والبيات ثم المماثلة إلى منطق تكفير مجهول الحال وإنكار إصالة عصمة النفس الآدمية، وتقييدها بالإسلام والذمة والعهد والزمان، مع الاستهانة في نفي كل هذه القيود. أي أن هذه الجماعات، كما يتبين جليا في ممارساتها، لا تحتاج للدافع ولا للفتوى للشروع بجرائمها، بل تقدم عليها بذاتها حيث هي قادرة على استكمال التجهيز والتنفيذ، وتدفع لها جهارا بمن تستقطبهم حيث لا حضور مباشر لها، كما يبدو الحال في سريلانكا الجريحة.

من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها
من حق المسيحيين في هذا الشرق المنهك استذكار ما فعلته هذه الجماعات من قتل وتدمير ونحر وإراقة دماء في العراق وسوريا ومصر وليبيا وغيرها

هو منطق تبريري اعتذاري لا يستقيم أن يكون الزعم أن جريمة سريلانكا، والتي قتلت مئات الآمنين ونكبت أهلهم وآلمت وطنا وأوطانا، هي الرد على جريمة نيوزيلندا، والتي ارتكبها متطرف شاذ قادم من خارج نيوزيلندا. نيوزيلندا التي أظهرت الخير والطيبة والجودة في عمومها، إذ التفت برمّتها، من رئيسة وزرائها الوقورة إلى مجتمعها المدني الراقي، ليقول لا لمحاولات التفرقة، وليرفع الآذان الإسلامي حيث لم يرتفع يوما، وليتكاتف الجميع مع بعضهم من المسلمين إذ استهدفهم الشر.

لن "تشفى صدور" السقامى الذين استقبلوا مقتلة الفصح في سريلانكا على أنها الانتقام لنيوزيلندا، ولكن فيما يتعدى هذه الحالات المَرَضية، فإن الخطورة ليست في المواجهة المفترضة المزعومة بين الإرهابيين، الذي قتل في نيوزيلندا والذي قتل في سريلانكا، بل في الانسجام المميت المتحقق بينهما.

صمٌ عميٌ كان أنصار الجهاد حين رحّبوا بالاعتداء على المسجدين في نيوزيلندا ضمن وشم "الإرهاب المسيحي"، والذي إذ يكشف عن أنيابه وفق تقييمهم الجاهز، يصادق على صواب الشطح المعنوي والمادي والذي يقدم عليه مجاهدوهم.

منطق الجهاد يعيش حربا عالمية بين الإسلام والكفر. هو جهاد طلب بالنسبة لمن لا يخشى في طاعته لومة لائم. لا اعتبار لديه للمجاز والخاص والمجمل والمقيّد والمنسوخ ولا لأسباب النزول، بل بما أن تلك الأشهر الحرم قد انسلخت من ألف ونيف من الأعوام، فاقتلوهم حيث وجدتموهم. على أن الغالب على أنصار الجهاد ليس هذا القول، دون الاعتراض عليه، بل نزال، ربما من باب جهاد الدفع، بين الإسلام والحملة الصليبية العالمية التي تستهدفه حسدا وطمعا، والتي إذ يشارك فيها اليهود والمشركين والعلمانيين والملحدين، هي في العمق صراع بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.

ليس الأمر كذلك البتة في الشق المقابل. "القومية البيضاء"، والتي ينتهج من ينتقل من عقيدتها إلى مقتضاها الإرهابي سبيلا موازيا في أشكاله وأساليبه للجهاد الإسلامي، هي أيضا تشهر "الحرب المقدّسة". ولكن التقديس هنا ليس للدين، بل للعرق. هي "راهووا"، الحرب العرقية المقدسة والتي ينادي بها دعاة هذه القومية منذ عقود، والداعية إلى إيقاف التبديد الذي تعيشه المجتمعات "البيضاء" من خلال استيعاب الأعراق الدنيا. فهذه الأعراق، "شعوب الطين" وفق الطرح القومي الأبيض، لم تساهم في صياغة الحضارة لقصورها الطبيعي، ولكنها تأتي اليوم، بأعدادها المتضاعفة وعاداتها المتخلفة، لاستغلال المجتمعات "البيضاء" ولتقطف ثمار الجهد الحضاري بما تتيحه لها سياسات الهجرة والتعددية وبما فطرت عليه هي من تحايل على الأنظمة ومن استنزاف للموارد العامة. أما الدين المسيحي بالنسبة للقوميين البيض، فهو جزء وحسب من الموروث الثقافي الأبيض، مع الريبة إزاءه لأصوله اليهودية، والميل الواضح إلى تجاوزه باتجاه إعادة إحياء طقوس الوثنية السابقة له.

العدو، بالنسبة للقوميين البيض ليس المسلمين كمسلمين، بل بعض المسلمين بالنسبة لهم، مثل البوسنيين والألبانيين، هم من البيض الذين يستحب كسبهم وتحفيزهم على التخلي عن هذه العقيدة التي لا تليق بهم والمستوردة من "شعوب الطين".

المسيحي في الشرق يطاله الأذى حيثما دار

فأن يقتل الجهاديون مئات السريلانكيين ثأرا لعملية إرهابية قام بها قومي أبيض هو عمل ينال الرضا في صف القومية البيضاء، إذ يفضح الطبيعة الفاسدة للإسلام دون أن يكلّف العرق الأبيض ضريبة دم باهظة (وإن لم تكن معدومة، لوجود بعض السوّاح البيض في سريلانكا). بل منطقهم هو أنها "شعوب الطين" تتناحر، فلتفعل ولتبين لأصحاب القلوب الضالة الطريّة العطوفة من البيض في الغرب عبث قناعاتهم.

أما المسيحي في الشرق فيطاله الأذى حيثما دار. يقتله الجهادي لأنه غرسة صليبية في دار الإسلام (رغم أن حضوره في دياره وشهادته فيها سابقة في معظم الأحيان لقدوم الإسلام إليها)، ويُطرب لقتله مناصرو الجهاد خلف شاشتهم (دون اعتبار للأضعاف المضاعفة من المسلمين الذي قتلهم المجاهدون في حروبهم الوهمية)، ولا يعبأ لقتله القومي الأبيض في الغرب لأنه من "شعوب الطين".

المسلم والمسيحي، وكل إنسان غير منغمس في هذه الملاحم الغيبية في تصوراتها، المميتة في وقائعها، عرضة للقتل والاستباحة. أما الطائفة المنصورة الباقية إلى يوم الدين هنا، والطليعة المقاتلة الحاملة لهمّ عرقها هنالك، فهذيانهما ليس حوار طرشان رغم القراءات المتناقضة، فلا الجهاديون يخاطبون الغرب الكافر، ولا القوميون البيض يكلّمون الشرق الطيني. بل فيما القتل يفتك بالأبرياء هنا وهنالك كلٌ من القتلة بأهله منشغل، في انسجام وإن غير صريح في الرؤى، وفي اجتماع ظاهر على الأذى.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG