رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الإثنين 29 أبريل 2019

طالبة جزائرية في مواجهة خراطيم المياه

محمد المحمود/

يتصور كثيرون أن الترويج الكبير للخطابات الضدية الانكفائية، التي تتسم بقدر عال من التفاهة؛ بقدر ما تتسم بقدر عال من الرعونة، لم يُؤثر إلا في الجماهير العريضة التي تقع ـ بحكم طبيعة تلقيها الشفهي، الفاقد للانتظام/ الاتساق ـ فريسة التثقيف الإعلامي الدعائي المأخوذ بثنائية التمجيد والتحريض: تمجيد الذات بتزييف "تاريخ الأنا" لتجميله من جهة، وترميز الزعامات الانقلابية من جهة أخرى، والتحريض على الآخر؛ بالتأكيد الدعائي/ اللاعلمي على تآمره، وحتميته عدائه، وتشويه واقعه على مستوى الخطاب؛ مقابل ما يتسم به من الإغراء على مستوى الواقع.

هذا ما يتصوره كثيرون لأول وهلة. بينما الواقع يُؤكد أن "النخب الثقافية" أو التي تزعم أنها كذلك، هي أول من افترسها هذا الخطاب الدعائي الغوغائي؛ إذ هي قد تحوّلت في كل دول العالم العربي ـ حتى في الدول التي لم يحكمها/ لم يتحكم في مصائرها الانقلابيون/ الثوريون! ـ إلى "أبواق" إعلامية/ ثقافية تمتهن الدعاية الرخيصة للمجد القومي القادم الذي سيجدده الزعيم العروبي الملهم، أو للعصر الإسلامي الذهبي الذي سيتجدد على يد "الخليفة" المنتظر المحمول على قاطرة أحلام رافعي شعار: "الإسلام هو الحل".

العالم العربي يسير نحو الأفق الليبرالي بقوة دفع الزمن الليبرالي أساسا

لم تنقشع سُحُب الأحلام القوموية والإسلاموية إلا منتصف التسعينيات من القرن المنصرم. وهو ـ على أية حال ـ بداية صحو نسبي، حيث بدأت سُحُب الأوهام تتبَدّد رويدا رويدا؛ لصالح "زمن عربي ليبرالي" آخِذ في التشكّل رغم كل التحديات الثقافية والدينية والجيوسياسية.

وبلا ريب، فهذا الزمن العربي الواعد لم يفتح أبوابه ـ الموصدة منذ عقود ـ بمحض الصدفة، بل حدث ما حدث بفعل عوامل كثيرة؛ لعل أهمها ما يلي:

  1. سقوط المُعسكر الشيوعي/ الاشتراكي. وهو السقوط الدراماتيكي الذي قوّض في بضع سنوات كل الأحلام التي كانت تُغذّي مُخيّلة مُنَاهِضي الليبرالية الغربية، مما فتح المجال واسعا لانتشار النموذج الليبرالي الغربي في كثير من دول العالم، بما فيها الدول التي كانت تُمثّل المحاور المركزية في المنظومة الشيوعية. هذا النصر الشامل (الذي تعددت سياقاته ومستوياته) منح النموذج الليبرالي شهادة جدارة عالمية هائلة التأثير؛ إلى درجة أغرت بعض المتحمسين له بكتابتها كـ"نهاية للتاريخ". وطبعا، لم يكن العرب، وخاصة الدول والنُّخب المتماهية مع الخيار الاشتراكي في السابق بمعزل عن تداعيات هذا الحدث الكبير، ففي غضون عقد أو أقل، رأينا كثيرا من مُثَقّفي اليسار العربي وهو ينتقلون ـ بكل خِفّة، أو بكل استخفاف ـ من أقصى اليسار إلى اليمين، بل وأحيانا إلى أقصى طرف اليمين.
  2. حرب الخليج الثانية. فاجتياح العراق للكويت، وما تبعه من اصطفاف عربي ـ عربي مع هذا الطرف العربي أو ذاك (مما يحكي عمق الانقسام/ الانقسامات، المُتَحَقّقة أو المُحْتَملة)؛ قدّم شهادة وفاة لأكبر الأوهام العُرُبَوية التي طالما اغتبطت بها الثقافة العربية عن قناعة حقيقية أو عن خداع بائس للذات. فأوهام الوحدة، والأمة العربية الواحدة، والمصير العربي المشترك، بدت عشية هذه الحرب أشبه بـ"النُّكت السخيفة/ المبتذلة" التي لا يُرددها إلا من يُعاني انفصاما حادا في علاقته بالواقع.
    لقد كانت أوهام الوحدة العابرة للدول القطرية، والأمة العربية الواحدة، والمصير العربي المشترك، تُطرح من قِبَل مُراهقي الانقلابات العسكرية للاستهلاك الجماهيري، فهؤلاء الانقلابيون طرحوا أنفسهم كزعماء استثنائيين مُلهمين، بينما هم لم يكونوا أكثر من "زعامات كرتونية" فارغة من المعنى وفاقدة لأبسط مقومات القوة، إلا قوة الوهم؛ عندما كانت تظن أن معادلات القوة العالمية ومقومات النهضة القومية تحكمها الحناجر الزاعقة، وتتحدد مصائرها بتزييف الإعلام الكاذب، وبتصفيق الجماهير المأخوذة به، التي تتوهم أن العالم لا يزال يقف عند حدود داحس والغبراء، ومغامرات عنترة بن شداد، وأساطير أبي زيد الهلالي...إلخ.
    الدول التي تتمتع بمقدرات اقتصادية عالية تمتلك حظا أوفر للدخول السلس إلى العالم الليبرالي

    لقد كانت تلك الزعامات الانقلابية التي قوّضت البدايات الواعدة للروح الليبرالية العربية تطرح خياراتها المصيرية معجونة بمواقف ضدية صارخة، مواقف لا تمل من التأكيد على "العداء الغربي" و"العدوان الغربي" و"الانحياز الغربي" و"التآمر الغربي".
    لكن حرب الخليج كشفت عن حقيقة صادمة قاسية، وهي أن العربي القومي أشد خطرا على العربي من كل دول الغرب الليبرالي الإمبريالي، بل وأكدت أن الغرب قد يكون حليفا يحمي الأوطان من عدوان "الشقيق المفترض".
    وبهذا، لم تعد روح العداء للغرب (الغرب الذي لا يُمَثّل المصدر الأساسي للفكر الليبرالي فحسب، وإنما التّجسيد العملي له أيضا)، كما كانت من قبل، بل لم يعد الغرب في نظر العربي غربا واحدا، بحيث يُؤخذ كله بذنب بعضه، وإنما اتّسعت آفاق الرؤية لتبصر كامل الصورة؛ دونما عُقَد نفسية/ تاريخية تجعلك تستبشع الجميل.
  3. العولمة. وهذا عامل مرتبط بالعامل الأول، فقد شجّع انهيار النموذج الشرقي الاشتراكي نموذج الغرب الرأسمالي الليبرالي على التمدد، فانفتح العالم، كل العالم الذي كان مغلقا إلى ما قبل 1990، للشركات العابرة للقارات، وأصبح رأس المال الليبرالي يتمتع بحرية لم تُتَح له من قبل، بل وتَبَنّت كثير من الدول غير الرأسمالية النموذج الرأسمالي في السنوات الأولى من التَحول. كل هذا كان يضيف إلى رصيد الفكر الليبرالي، ويعزز النموذج الذي بدا وكأنه يجتاح العالم مستعينا بجواز سفر اقتصادي يفتح له كل الأبواب.
  4. النمو ـ بل الانفجار غير المسبوق ـ في وسائل الإعلام العابرة للدول، وشيوع وسائل التواصل المتجاوزة لكل صور الرقابة الحكومية والمجتمعية. فالإعلام الفضائي وشبكة الإنترنت تحديدا، كان لها دور هائل وحاسم في تعزيز النموذج الليبرالي الذي لم يعد من الممكن التعتيم على نجاحاته الباهرة في الغرب، إضافة إلى كثير من دول الشرق، خاصة اليابان والنمور الآسيوية الصاعدة.
    لقد أصبح هذا النموذج المنتصر على أكثر من صعيد مَحَطَّ آمال الأغلبية الساحقة من سكان المعمورة بفضل الإعلام المتعولم، إذ دخل عليهم بصوره الباذخة ـ حقوقا ورفاعية وجمالا وفنا ـ حتى وصل إليهم في غُرَف نومهم، وتراقص إغراء حتى على أكُفّ صغارهم أمام شاشات الكمبيوتر، ثم على شاشات هواتفهم الذكية، وهذه وتلك تجسد بذاتها ـ قبل الرسائل المتضمنة فيها ـ واقعة الحرية، إذ تجعل الخيار بيد المتلقي الذي يختار مواده من ملايين المواد المتاحة، لا بيد المُرسِل الذي كان يحدد للمتلقي نوعية وتوقيت ما يرى ويسمع ويشاهد.

إذن، وحيث العرب جزء لا يتجزأ من هذا العالم المتعولم بالليبرالية، لم يعد ثمة مكان لأولئك الذين يمتهنون هجاء حرية الغرب وتقدّم الغرب وكرامة الإنسان في الغرب...إلخ، فهؤلاء سيجدون أنفسهم مَحلّ رفض، بل وسخرية، حتى من أطفالهم الصغار الذين أكّدت لهم التصورات الليبرالية ـ في نموذجها المُتَعَيّن ـ أن ثَمّة حقوقا وخيارات للصغار قبل الكبار، للأطفال قبل البالغين، لا يجوز المساس بها بأي حال من الأحوال.

إن كل هذا ـ وغيره مما هو في سياقه ـ يُعَزّز حقيقة أن العالم العربي بدأ يدلف بخطوات متسارعة إلى الزمن الليبرالي، وأن هذا هو مصيره، كما هو مصير العالم من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.

لم تنقشع سُحُب الأحلام القوموية والإسلاموية إلا منتصف التسعينيات من القرن المنصرم

نعم، العالم العربي يسير نحو الأفق الليبرالي بقوة دفع الزمن الليبرالي أساسا؛ رغم أهمية الخطوات الإجرائية التي من شأنها تسريع هذه السيرورة التي ستأخذ في طريقها كثيرا من العقبات، ربما إلى بوابة السدّ القابل للانفجار.

وإذا كان هذا هو قَدَرُ العالم في هذه اللحظة التاريخية، كما هو قَدَرُ العالم العربي من وراء ذلك، فإن الدول التي تتمتع بمقدرات اقتصادية عالية ـ ومن بينها كثير من الدول العربية ـ تمتلك حظا أوفر للدخول السلس إلى العالم الليبرالي.

ولعل من المبهج في هذا السياق أن كثيرا من القرارات الأخيرة في دولنا المحافظة تصبّ في دعم هذا التوجه الانفتاحي الواعد بمزيد الانخراط في هذا العالم، هذا العالم الذي لا يتوقف عن التطور، والذي لا يتبنى خيار الانعزال فيه/ عنه إلا من يحكم على نفسه بالغياب المنتهي بالاندثار/ الزوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

ورود تكريما لضحايا الهجمات الانتحارية في سريلانكا

سناء العاجي/

منذ بضعة أسابيع، ارتكب مجرم متطرف جريمة في حق عشرات المصلين بأحد المساجد في نيوزيلندا، وذلك خلال صلاة الجمعة.

حينها، انبهر العالم بالموقف الإنساني للحكومة والشعب النيوزيلنديين، وبشكل خاص برئيسة حكومته التي عبرت عن موقف إنساني رائع ومبهر.

خلال أسبوع، تم رفع الآذان في الجامعات والكنائس النيوزيلندية، وحمى مئات المواطنين النيوزيلنديين مواطنيهم المسلمين خلال أداء الصلاة ليوم الجمعة الموالي.

حينها، اعتبرت بعض الأصوات المهووسة بالذات بأن ذلك كان يعبر عن انبهار بالإسلام. الحقيقة أن ذلك الموقف الإنساني كان تعبيرا عن قيم كونية أخلاقية إنسانية سامية، أكثر منه تقديرا أو انبهارا بدين بعينه. لقد ترجم النيوزيلنديون حينها إيمانهم الحقيقي والفعلي بقيم الحق في الاختلاف والمساواة، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق.

نحن نعيش على بعد سنوات ضوئية عنهم، لأننا، حين يقتل متطرفون مسلمون ضحايا مسيحيين أو يهود، سنجد دائما بيننا من يبرر القتل

بالمقابل، على سبيل المثال، فإن الشرطة البلجيكية، حين حاولت السنة الماضية إلقاء القبض على بعض المتهمين في عمليات إرهابية حدثت في فرنسا، فوجئت بحماية عدد من المغاربيين المسلمين المقيمين في ذلك الحي للمتهمين وبمنع الشرطة من إلقاء القبض عليهم؛ باسم الانتماء الديني والقومي المشترك!

وحتى حين لا يسعى البعض لمنع الشرطة من إلقاء القبض على المتهم في قضايا مشابهة، فإنهم يجدون له المبررات!

لدينا من جهة مجتمع يدين المتهم (الذي يشبهه دينيا وعرقيا) ويتضامن مع الضحية، رغم اختلافها عنه ثقافيا ودينيا وعرقيا... ومجتمع يتضامن مع المجرم، لمجرد أنه يشبهه في دينه... أو في تطرفه! ومع ذلك، فنحن لا نخجل حين يعتبر البعض منا أننا "خير أمة أخرجت للناس".

نحن نعيش على بعد سنوات ضوئية عنهم، لأننا، حين يقتل متطرفون مسلمون ضحايا مسيحيين أو يهود، سنجد دائما بيننا من يبرر القتل؛ وسنجد من يردد بأن "الإرهابي لا يمثل الإسلام"... علما أنه يقتل باسم فهمه للإسلام!

هل نعي مثلا أن النيوزيلنديين حينها كانوا يستطيعون أن يقولوا إن ذلك المتطرف المجرم لا يمثل نيوزيلندا وقيمها... وسينتهي الأمر؟

كانوا حينها سيشبهوننا في جبننا وتبريرنا المجرم للتطرف... لكنهم ما كانوا حينها سيشبهون قيمهم الإنسانية الجميلة!

اليوم، ها نحن نعيش مأساة إنسانية جديدة، بسبب الجريمة الإرهابية التي ارتكبها مسلمون هذه المرة، في سريلانكا.

فهل سنمتلك جرأة الإنسانية؟ هل سندين هذه الجريمة أم أننا سنكتفي بالاستنكار وبأن نقول مجددا إن المجرمين لا يمثلون الإسلام وبأن هذه الجريمة الإرهابية هي مؤامرة مخطط لها من الغرب الكافر لتشويه صورة الإسلام والمسلمين؟

لقد ذهبت نرجسية البعض حد اعتبار حريق كاتدرائية نوتردام في باريس مؤامرة غربية تم التخطيط لها بعد التعاطف العالمي الكبير مع المسلمين جراء الحادث الإرهابي في نيوزيلندا، بحيث "أراد الغرب إعادة الاهتمام للمسيحيين، فخطط لحريق الكاتدارئية".

إن لم يكن الأمر تعبيرا عن نرجسية مرضية، فسيتعذر علينا تصنيفه. ولعل كثيرين بيننا يحتاجون لعلاج نفسي مكثف حتى نتخلص من إحساسنا العميق بأن الكون كله يجتمع ليتآمر ضدنا، علما أننا لسنا أفضل الشعوب تكنولوجيا ولا ثقافيا ولا حقوقيا ولا إنسانيا... فلماذا يا ترى سيتآمر العالم ضدنا؟

اليوم بعد الحادث الإرهابي في سريلانكا، هل سنسمح للمسيحيين بالصلاة في مساجدنا؟ هل سنرتدي الصلبان تضامنا معهم؟ هل سنحمي صلواتهم المقبلة؟ هل سندين، على الأقل، القتلة؛ بدل تبرير فعلتهم أو الاكتفاء بترديد كونهم لا يمثلون الإسلام؟

إلى متى سنعتبر بأننا "نستحق" تعاطف الكون معنا في مصائبنا، ونرفض التعاطف مع مصائب الآخرين

إلى متى سنعتبر بأننا "نستحق" تعاطف الكون معنا في مصائبنا، ونرفض التعاطف مع مصائب الآخرين؛ وخصوصا حين يكون الفاعل فيها منا (بل إن البعض قد يفرح خفية بذلك)؟ متى سندين الإرهاب بصوت واحد وبدون أي من لغات التبرير؟ متى سنعترف بحق الآخر في الاختلاف (وهي القناعة التي بنت وأسست لسلوك النيوزيلنديين مع مسلمي بلدهم)؟

متى سنعتبر بأن جنة تبني طريقك إليها بدماء الأبرياء (أو تبرر لهم ذلك)... ليست في الحقيقة إلا جحيما تزجنا فيه جميعا؟

ما دمنا، بعد حادث سريلانكا، غير قادرين على سلوك النيوزيلنديين... فلنمتلك على الأقل جرأة الاعتراف بأن شيئا من إنسانيتنا ليس على ما يرام.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG