رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الخميس 4 أبريل 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
هل أصابتنا شبكة الأنترنت بأمراض جديدة، أم أنها ساعدت عاهاتنا العميقة على الخروج من المستور؟

سناء العاجي/

هل أصابتنا شبكة الأنترنت بأمراض جديدة، أم أنها ساعدت عاهاتنا العميقة على الخروج من المستور؟

السؤال جدي ولا يهدف للتهكم.

راسلني صديق وزميل صحافي بمحتوى قناة مغربية على موقع يوتيوب، أطلقتها مغربية ربة بيت تقدم عبرها فيديوهات حول البيت ومهام "ربة البيت" وتفاصيل التأثيث المنزلي والتنظيف والاعتناء بالزوج وغسل وتدليك رجليه... كل هذا ببعض الابتذال، وبنكهة شعبية (لكن ليس بالمفهوم النبيل لما هو شعبي، للأسف).

إلى هنا، التفصيل بسيط حد التفاهة. في النهاية، من حق أي شخص أن يصور ما يشاء ويرفعه على الإنترنت. من حق هذه السيدة أن تختزل وجودها في أشغال البيت وتنظيف الأرضيات وغسل رجلي زوجها وإيصال ملعقة الكسكس المغربي إلى غاية فمه... في النهاية، لكل فرد اختياراته الحياتية التي تناسبه.

مشاهدتنا للمحتوى الرديء هي مساهمة في ترسيخه ونجاحه وانتشاره

المشكلة ليست هنا. المشكلة في أن هذه القناة تسجل حوالي مليون مشترك ومشتركة، وعشرات المئات من الآلاف، كمشاهدات لكل شريط فيديو في القناة.

مرة أخرى، "بصحتها"، كما نقول في المغرب.

السؤال الآن هو: كل هؤلاء المنظرين على موقعي فيسبوك وتويتر الذين ينتقدون الرداءة على الإنترنت، والذين ينتقدون محتويات البرامج والمسلسلات التي يقدما التلفزيون؛ أليسوا هم في النهاية من يشاهدون هذه المحتويات ويساهمون في "نجاحها" وانتشارها؟

في السابق، كنا نعيش هذا الموال مع برامج التلفزيون في شهر رمضان: بعد انتهاء الشهر، يحتج كثيرون على الجرائد الورقية والإلكترونية وعلى المواقع الاجتماعية... احتجاج عظيم رهيب ضد "المستوى الرديء" لمسلسلات رمضان. ثم، وقتا قليلا بعد ذلك، تصدر القنوات الوطنية أرقام ونسب المشاهدات، لنكتشف بأن تلك المسلسلات التي انتقدها الجميع... هي نفسها التي شاهدها الجميع والتي حققت نسب مشاهدات بالملايين.

وما أشبه اليوم بالأمس...

اليوم، أصوات كثيرة تحتج ضد مواقع بعينها لأنها "تقدم الرداءة"، مع أن هذه المواقع تحقق نسب متابعات عالية.

أصوات كثيرة تنتقد رداءة مقترحات يوتيوب (والتي يقترحها علينا يوتيوب في الواقع لأنها حققت نسب مشاهدات مرتفعة في البقعة الجغرافي التي نوجد فيها \popular on youtube\ tendances)، لكن تلك الفيديوهات ما تربعت على عرش قائمة الفيديوهات المرشحة، إلا لارتفاع نسبة المشاهدات التي تحظى بها.

يعتبر كثيرون هذه المنتجات رديئة... فمن يحقق نسب المشاهدات العالية؟ لعلهم الجن مثلا؟ أم أن البعض يشاهدها سرا... ويلعن صاحبها وجده وأمه وكل شجرة العائلة، علنا؟

للأسف، بعد أن كانت عاهاتنا مستورة لا يعرفها إلا من حولنا في البيت أو العمل، أصبحت مفضوحة اليوم مع الإنترنت ومنتشرة بشكل موجع: العنف اللفظي بدل النقاش الرصين؛ متابعة المحتويات الرديئة وتلك التي تحط من كرامة فئات معينة؛ السخرية من الآخر في اختلافه أو عاهاته أو جهله، دون التفكير في مشاعره أو كرامته؛ الكبت الجنسي؛ التطرف...

لعلنا نحتاج لصدمات كثيرة ومباشرة وشخصية (في ذواتنا أو في من نحب)، تأثر على علاقتنا بهذه الدمقرطة السريعة لوسائل إنتاج المحتوى ونشره، حتى نتعلم الاستفادة منه بدل تدمير الذات والآخر.

يعتبر كثيرون هذه المنتجات رديئة... فمن يحقق نسب المشاهدات العالية؟

بالمقابل، هناك أشخاص يستغلون هذا الاهتمام بالرداءة لتحقيق مكاسب مادية... هذا حقهم أيضا. لكن، هل لنا أن ننتقد الرداءة إذا كنا نساهم في نشرها ونجاحها؟

شخصيا، اتخذت مثلا منذ مدة قرارا أن لا أشاهد هذه العينة من الفيديوهات حين تصلني عبر واتساب أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي. مشاهدتنا لذلك المحتوى هي مساهمة في ترسيخه ونجاحه وانتشاره. لو أن مئة ألف منا أخذوا نفس القرار، فهذا يعني مئة ألف مشاهدة أقل ومئة ألف مشاهدة أو قراءة أكثر لمحتوى رصين أو مسلي يحترم ذكاءنا.

بيدنا بعض الحل... قد لا نستعمله، لكن رجاء، لنتوقف فقط عن خطاب المظلومية وانتقاد الرداءة، حين نكون بدورنا مساهمين في إنتاجها وفي نجاحها وفي انتشارها.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

جزائريون يحتفلون بعد تقديم بوتفليقة استقالته

جويس كرم/

ورحل عبد العزيز بوتفليقة بعد عشرين عاما انغلقت فيها الجزائر داخليا، وجرى استغلال الخوف من العشرية السوداء للسيطرة الكاملة سياسيا واقتصاديا وشعبيا، وفرض الدولة الأمنية، لتعود من الشارع هذا العام وتكسر حواجز الصمت والخوف من تكرار تجارب الماضي الدموي، ولتنجح بحراك سلمي مدني شامل وواسع من إسقاط رمز السلطة وإطلاق مرحلة قد تكون الأكثر حساسية في تاريخ البلاد الحديث.

شهر ونصف تقريبا على التظاهرات الشعبية والرسالة واحدة: لا لولاية بوتفليقة الخامسة؛ ولا لألاعيب تشتري الوقت وتمددها؛ ولا لبيانات تعد بالرحيل فيما تعيد ترتيب كراسي السلطة ونخبة "لو بوفوار" (السلطة) التي تحكم البلاد منذ الاستقلال.

إزاحة الجيش لبوتفليقة ليست انقلابا، لأن الجيش لم يتول قيادة السلطة اليوم

نجح الجيش والقيادة العسكرية في الجزائر، ولو بعد تأخير، في قراءة نبض الشارع، ونزع الفريق أحمد قايد صالح، الذي رافق بوتفليقة طوال 15 عاما، الضمادة عن الجرح ليل الثلاثاء مدركا أن المشكلة أعمق وأكبر والحاجة ملحة لتغيير واضح المعايير وشفاف في الجزائر.

إزاحة الجيش لبوتفليقة في الجزائر ليست انقلابا، لأن الجيش لم يتول قيادة السلطة اليوم، وسيكون هناك مجلس انتقالي ومعايير دستورية تكلف رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح بتولي زمام السلطة موقتا وبإجراء الانتخابات خلال فترة لا تتخطى الأشهر الست. هناك من يقارب بين التجربة المصرية وتجربة الجزائر، بسبب دور الجيش ونوع المرحلة الانتقالية. هذه المقاربة تتجاهل الاختلافات في شكل الحراك الجزائري، حيث لم تقع إصابة واحدة على عكس ما مرت به مصر، والجيش يتعامل مع فئات المجتمع المدني والحكومة لتنظيم المرحلة الانتقالية بدل إدارتها.

جزائريون يتظاهرون للمطالبة بتغيير شامل في الجزائر بعد استقالة بوتفليقة
جزائريون يتظاهرون للمطالبة بتغيير شامل في الجزائر بعد استقالة بوتفليقة

مع ذلك، فإن الجزائر اليوم بعد بوتفليقة هي أمام امتحانها الأصعب، ومرحلة ما بعد رحيل رمز السلطة أكثر تعقيدا بكثير مما قبلها. فالصراع داخل السلطة نفسها موجود بين المعسكر القريب من بوتفليقة، الذي حاول بشتى الوسائل شراء الوقت وضمان مكاسبه، وبين معسكر مضاد يخشى عدم الاستقرار ويسارع لطي الصفحة. من هنا كان احتضان الجيش للحراك، والضغط على دائرة بوتفليقة، وتوقيف رجال الأعمال، وشطب بيان يوم الاثنين إنهاء بوتفليقة لولايته باستحضار المادة 102 من الدستور وفرض استقالته الفورية.

ترتبط حساسية المرحلة في الجزائر بالماضي الدموي والمواجهة مع الإسلاميين، وعدم وجود خط واضح للتغيير، مما يجعل الدستور والتكاتف المدني والشعبي وآلية المجلس الانتقالي، الضمان الأول والأخير لإدارة المرحلة. من حسن حظ الجزائر أن آل بوتفليقة يختلفون عن آل الأسد في سوريا، وأن العائلة والأجهزة الأمنية لم توجه رصاصها على المتظاهرين ولم تنزلق في منحدر عدم الاستقرار كما انزلقت دمشق وباتت مسرحا للتدخل الخارجي والاقتتال الميليشياوي. موقع الجزائر بين ليبيا ومالي يجعلها عرضة لهزة للاستقرار ودخول داعش أو مجموعات إرهابية أخرى، وهو ما عزز أيضا تحرك الجيش ونحو تشكيل هيئة رئاسة انتقالية بهذه السرعة لطي صفحة بوتفليقة.

الجزائر اليوم بعد بوتفليقة هي أمام امتحانها الأصعب

خروج بوتفليقة لا يحل الأزمات الاقتصادية ومشاكل البطالة لثلثي الشباب الجزائري، لكنه فرصة لبدء مسار تغيير مؤسساتي وحقيقي في البلاد، يعالج الإرث الصعب للعقود الأخيرة، ويضفي تعددية على موارد البلاد الاقتصادية والتمثيل السياسي. فالاعتماد الكلي على الغاز والنفط ساهم في الجمود الاقتصادي، والعلاقة الأمنية والاقتصادية مع روسيا أو فرنسا لن تكفي لإنقاذ البلاد.

سلمية ومدنية الحراك في الجزائر، التي أخرجت بوتفليقة، هي من دون شك محطة تفاؤل للعالم العربي وللقارة الإفريقية عموما، إنما تبقى بداية مسار طويل ومعقد للانتقال النوعي في البلاد. نجاحه سيتطلب حوارا مدنيا لجميع أطياف المعارضة مع الحكومة ومع الجيش، وخارطة طريق محصنة دستوريا لإجراء الانتخابات الرئاسية والقيام بإصلاحات اقتصادية ومؤسساتية تعيد للجزائر وزنها الطبيعي في شمال إفريقيا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG