رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الثلاثاء 9 أبريل 2019

قوات الأمن الجزائرية تستدم المياه لتفريق متظاهرين

حسين عبدالحسين/

مع استقالة رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة، رحل الطاغية العربي السادس، منذ انهيار نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على أيدي القوات الأميركية، قبل 16 عاما. مع ذلك، لم يصل الربيع إلى الشرق الأوسط، بل إن اهتزاز الطغاة واقتلاعهم شهد إراقة دماء أكثر، وتشريد الملايين، وعودة الطغيان بأشكال أكثر تشددا وبطشا.

وإذا كان الربيع لا يأتي برحيل الحاكم، فكيف يأتي؟ ومن المسؤول عن استمرار البؤس والشقاء؟

لا بد أن المشكلة هي في المحكومين (أو بعضهم)، ومنهم من تسلموا الحكم في عدد من دول الطغيان المنهار، أو حتى في أجزاء من هذه دول. ولكن بدلا من أن يقدم المحكومون السابقون أداء ديموقراطيا مقبولا، قدموا أداء هابطا، ونافسوا أسلافهم في الحكم في الجشع والانتقام من الماضي الظالم.

لم يأت آل الأسد من المريخ، ولا صدام حسين، ولا رجب طيب أردوغان

ولا بد أن المشكلة هي في المحكومين، في مجتمعهم، الذي لا يقدر على إنتاج منظومات حكم مبنية على الحرية والمساواة وتداول السلطة، بل إن مفهوم غالبية المحكومين في الشرق الأوسط للحكم هو سباق على تقاسم موارد الدولة، الشحيحة أصلا.

في الماضي كنا نعتقد أن المحكومين يصبون للحرية، التي لا يعيق تحقيقها إلا حفنة من الحكام الدمويين وأزلامهم. رحل الطغاة والأزلام، وأسقط العراقيون تماثيل صدام وصوره، ورشقوها بالأحذية والنعال. ثم رفع بعض العراقيين، مكان صور صدام، صور ملالي إيران والعراق، وأظهر العراقيون أن البعث ليس حزبا، بل هو شخصية فردية وجماعية، وثقافة عامة، وأن الحياة والرأي فيها للأقوى، وما على الأضعف إلا الخضوع للأقوى، ورفع صوره، والتظاهر بعبادتها.

وفي مصر، سقط حسني مبارك، فدارت معركة بين الجيش والإسلاميين. حكم الإسلاميون، فأظهروا فظاظة مقرونة بالهبل: حوّلوا مبنى البرلمان إلى مسجد، وراحوا يتبارون في رفع الآذان داخله. مزقوا الدستور، وحاولوا استبداله بوثيقة تطوبهم حكاما أبديين، على نسق الحاكم المنتخب دائما وأبدا في تركيا. عاد الجيش، فعاد المصريون إلى الصاق الجزمات العسكرية على رؤوس أولادهم، وراحوا يصفقون ويهتفون. يقول العسكر إن باراك أوباما عدو مصر، تخرج بعض الراقصات في لوحات راقصة هابطة وعنصرية ضد الرئيس الأميركي السابق، وتتنافس مصريات في تقذيع أوباما أمام الإعلام: "شت يور ماوس يا أوباما".

والأسى وصل تونس الجميلة، التي أسقط شعبها، لا قوات أميركا، طاغيته. في تونس، وقف قادة عرب يتبارون في هجاء الربيع العربي. وفي تونس، خرج تونسيون يحملون صورا لرئيس سوريا بشار الأسد، الذي حاولت حكومة الربيع العربي التونسية إعادته إلى عضوية "جامعة الدول العربية" بكل ما أوتيت من قوة. لماذا يعتقد التونسيون أنه يحق لهم الإطاحة ببن علي ولا يحق للسوريين الإطاحة بالأسد؟

وفي ليبيا، انهمك أرباب الربيع الليبي، الذي أطاح بالقذافي، بنسف قانون الزواج المدني، وتشريع زيجات أربع لكل رجل، بما في ذلك زواج من القاصرات من عمر التاسعة.

وحتى لا نعقد آمالا أكثر من المعقول، وحتى نتعلم من الدروس الماضية، لن يأتي ـ وللأسف ـ الربيع إلى الجزائر. استقالة بوتفليقة هي انقلاب عسكري عليه، زينته تظاهرات شعبية صادقة. سيختبأ الإسلاميون خلف الحشود الشعبية، وسيختبأ العسكر خلف المجلس الانتقالي، وسيتسابق الاثنان للسيطرة على الحكم، مع ترجيح انتصار العسكر، حتى لو دمويا.

لم تختلف الثورة الجزائرية على بوتفليقة عن نظيراتها في دول الشرق الأوسط. هي ثورات مليئة بالحماسة للتغيير، ومعدومة الرؤية والقدرة على التغيير. سيطالب الجزائريون، كأقرانهم في تونس وليبيا ومصر والعراق وسوريا، بأمور غريبة عجيبة لا تمت إلى الحرية ولا الديموقراطية بصلة، بل إنهم سيعتقدون أن للغالبية قدرة على إملاء رأيها على الآخرين، وأن الأقليات ليسوا من يخالفونهم بالرأي فحسب، بل هم خونة للثورة والوطن.

هي ثورات مليئة بالحماسة للتغيير، ومعدومة الرؤية والقدرة على التغيير

مشكلة الشرق الأوسط هي في المحكومين، هي في الناس، جميعهم، مسلمين وغير مسلمين، عربا وغير عرب. في لبنان الذي ناضلت فيه مجموعة معروفة بـ "تحالف 14 آذار" من أجل الحرية والديموقراطية، قامت المجموعة نفسها بتطويب قادتها زعماء لها إلى الأبد، وساهمت في منع مسلسلات تلفزيونية لم تعجبها. وفي كردستان، طال حكم الكاك مسعود برزاني حتى صار أطول من حكم صدام نفسه، وأثرى قادة كرد أنفسهم، مثل من اضطهدوهم من قادة العرب، وقضى قادة الكرد على الحرية، وسجنوا وضربوا معارضيهم.

لم يأت آل الأسد من المريخ، ولا صدام حسين، ولا رجب طيب أردوغان. هؤلاء هم أبناء الثقافة الفاسدة العنفية نفسها، التي لا تقبل الرأي الآخر، والتي تتمسك بالحكم عنوة، وتقضي على المعارضين وتتهمهم بالخيانة، وتنهب مقدرات الحكم. كل منهم، حافظ الأسد وصدام وأردوغان، خرجوا من رحم الظلم، ورفعوا أصواتهم في وجه السلاطين، ودخلوا السجون. ثم خرجوا منه، وتحولوا هم إلى سجانين. كيف الخلاص من دورة المظلومين الذين يتحولون إلى ظالمين؟ كيف الخلاص من ثقافة لا تحتمل أي رأي مغاير؟ كيف الخلاص من استقواء القوي وتزلف الضعيف؟

هو ربيع لن يأتي. نحن آسفين يا جزائر. تخالوه ربيعا، ونوده لو كان كذلك، لكننا اكتوينا بنار الطغاة والثورات. ربما التغيير في مكان آخر.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

هل أصابتنا شبكة الأنترنت بأمراض جديدة، أم أنها ساعدت عاهاتنا العميقة على الخروج من المستور؟

سناء العاجي/

هل أصابتنا شبكة الأنترنت بأمراض جديدة، أم أنها ساعدت عاهاتنا العميقة على الخروج من المستور؟

السؤال جدي ولا يهدف للتهكم.

راسلني صديق وزميل صحافي بمحتوى قناة مغربية على موقع يوتيوب، أطلقتها مغربية ربة بيت تقدم عبرها فيديوهات حول البيت ومهام "ربة البيت" وتفاصيل التأثيث المنزلي والتنظيف والاعتناء بالزوج وغسل وتدليك رجليه... كل هذا ببعض الابتذال، وبنكهة شعبية (لكن ليس بالمفهوم النبيل لما هو شعبي، للأسف).

إلى هنا، التفصيل بسيط حد التفاهة. في النهاية، من حق أي شخص أن يصور ما يشاء ويرفعه على الإنترنت. من حق هذه السيدة أن تختزل وجودها في أشغال البيت وتنظيف الأرضيات وغسل رجلي زوجها وإيصال ملعقة الكسكس المغربي إلى غاية فمه... في النهاية، لكل فرد اختياراته الحياتية التي تناسبه.

مشاهدتنا للمحتوى الرديء هي مساهمة في ترسيخه ونجاحه وانتشاره

المشكلة ليست هنا. المشكلة في أن هذه القناة تسجل حوالي مليون مشترك ومشتركة، وعشرات المئات من الآلاف، كمشاهدات لكل شريط فيديو في القناة.

مرة أخرى، "بصحتها"، كما نقول في المغرب.

السؤال الآن هو: كل هؤلاء المنظرين على موقعي فيسبوك وتويتر الذين ينتقدون الرداءة على الإنترنت، والذين ينتقدون محتويات البرامج والمسلسلات التي يقدما التلفزيون؛ أليسوا هم في النهاية من يشاهدون هذه المحتويات ويساهمون في "نجاحها" وانتشارها؟

في السابق، كنا نعيش هذا الموال مع برامج التلفزيون في شهر رمضان: بعد انتهاء الشهر، يحتج كثيرون على الجرائد الورقية والإلكترونية وعلى المواقع الاجتماعية... احتجاج عظيم رهيب ضد "المستوى الرديء" لمسلسلات رمضان. ثم، وقتا قليلا بعد ذلك، تصدر القنوات الوطنية أرقام ونسب المشاهدات، لنكتشف بأن تلك المسلسلات التي انتقدها الجميع... هي نفسها التي شاهدها الجميع والتي حققت نسب مشاهدات بالملايين.

وما أشبه اليوم بالأمس...

اليوم، أصوات كثيرة تحتج ضد مواقع بعينها لأنها "تقدم الرداءة"، مع أن هذه المواقع تحقق نسب متابعات عالية.

أصوات كثيرة تنتقد رداءة مقترحات يوتيوب (والتي يقترحها علينا يوتيوب في الواقع لأنها حققت نسب مشاهدات مرتفعة في البقعة الجغرافي التي نوجد فيها \popular on youtube\ tendances)، لكن تلك الفيديوهات ما تربعت على عرش قائمة الفيديوهات المرشحة، إلا لارتفاع نسبة المشاهدات التي تحظى بها.

يعتبر كثيرون هذه المنتجات رديئة... فمن يحقق نسب المشاهدات العالية؟ لعلهم الجن مثلا؟ أم أن البعض يشاهدها سرا... ويلعن صاحبها وجده وأمه وكل شجرة العائلة، علنا؟

للأسف، بعد أن كانت عاهاتنا مستورة لا يعرفها إلا من حولنا في البيت أو العمل، أصبحت مفضوحة اليوم مع الإنترنت ومنتشرة بشكل موجع: العنف اللفظي بدل النقاش الرصين؛ متابعة المحتويات الرديئة وتلك التي تحط من كرامة فئات معينة؛ السخرية من الآخر في اختلافه أو عاهاته أو جهله، دون التفكير في مشاعره أو كرامته؛ الكبت الجنسي؛ التطرف...

لعلنا نحتاج لصدمات كثيرة ومباشرة وشخصية (في ذواتنا أو في من نحب)، تأثر على علاقتنا بهذه الدمقرطة السريعة لوسائل إنتاج المحتوى ونشره، حتى نتعلم الاستفادة منه بدل تدمير الذات والآخر.

يعتبر كثيرون هذه المنتجات رديئة... فمن يحقق نسب المشاهدات العالية؟

بالمقابل، هناك أشخاص يستغلون هذا الاهتمام بالرداءة لتحقيق مكاسب مادية... هذا حقهم أيضا. لكن، هل لنا أن ننتقد الرداءة إذا كنا نساهم في نشرها ونجاحها؟

شخصيا، اتخذت مثلا منذ مدة قرارا أن لا أشاهد هذه العينة من الفيديوهات حين تصلني عبر واتساب أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي. مشاهدتنا لذلك المحتوى هي مساهمة في ترسيخه ونجاحه وانتشاره. لو أن مئة ألف منا أخذوا نفس القرار، فهذا يعني مئة ألف مشاهدة أقل ومئة ألف مشاهدة أو قراءة أكثر لمحتوى رصين أو مسلي يحترم ذكاءنا.

بيدنا بعض الحل... قد لا نستعمله، لكن رجاء، لنتوقف فقط عن خطاب المظلومية وانتقاد الرداءة، حين نكون بدورنا مساهمين في إنتاجها وفي نجاحها وفي انتشارها.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG