رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الثلاثاء 28 مايو 2019

مقدمة البرنامج منى حوا

حسين عبد الحسين/

أوقفت "أي جاي بلس"، التابعة لقناة الجزيرة القطرية، عاملين لديها عن العمل، بعد بثهم تقريرا عن "المحرقة اليهودية"، هولوكوست، ورد فيه أن النازيين قتلوا 20 مليونا، وأن ستة ملايين فقط منهم من اليهود، لكن اليهود استغلوا نفوذهم في المال والإعلام لاحتكار المأساة وكسب التعاطف الدولي لإقامة دولة لهم في فلسطين، وارتكاب هولوكوست بحق سكانها.

وبمتابعة ردود فعل المواقع العربية والناشطين العرب، تبين أن غالبية ساحقة منهم تؤيد نظرية المؤامرة نفسها التي وردت في التقرير، بل إنهم توسعوا في مؤامرتهم ليشتموا قطر و"الجزيرة" بسبب رضوخهما المزعوم لإملاءات إسرائيل، التي تحكم العالم بأسره كما يتصورون، ولقيام القناة بحذف التقرير المثير للجدل، وطردها معدّيه ومقدميه.

رواية الإسلام السياسي للتاريخ انتقائية

على أن مطالعة حلقات سابقة للبرنامج نفسه تبدو وكأنها مستوحاة من كراسات الإسلام السياسي الممزوج بأدبيات اليسار العالمي المعادي للإمبريالية، منها حلقات تبدي إعجابا بالحضارة الإسلامية في الأندلس، وإدانة بحق المسيحيين، الذين توحدوا للقضاء على آخر جيوب الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية ـ أي غرناطة ـ وقاموا بتحويل الجوامع الإسلامية إلى كنائس مسيحية.

ويتابع البرنامج أنه من رحم جريمة القضاء على غرناطة ولدت جريمة أخرى، هي إبحار كريستوف كولومبوس إلى القارة الأميركية. وفي حلقة أخرى عن "يوم كولومبوس"، الذي تحتفل به الولايات المتحدة سنويا، يشن البرنامج حملة تقذيع ضد كولومبوس بتهمة إبادة السكان الأصليين في الأميركيتين، وفتح الباب على مصراعيه للعبودية. ثم يربط البرنامج بين ما يراه إبادة كولومبوس للسكان الأصليين وإبادة إسرائيل لسكان فلسطين الأصليين، أي المسلمين الفلسطينيين.

هكذا هو التاريخ كما يتخيله الإسلام السياسي: في فلسطين يبدأ في العام 636 ميلادية، تاريخ "الفتوحات الإسلامية"، وهي فتوحات على شكل انتصارات مباركة مجيدة. لم يكن في فلسطين سكان أصليين قبل "الفتوحات" حتى تأسف "أي جاي بلس" عليهم.

في الأندلس، يبدأ التاريخ سنة 711 ميلادية، أي مع "فتح الأندلس"، التي لم يقطنها سكان أصليون قبل وصول المسلمين إليها، على الرغم أن اسم "أندلس" أصله "أرض الفاندلز"، أي القبائل الجرمانية التي كانت تقطنها منذ ما قبل الفتوحات. ثم ينتهي تاريخ الأندلس في العام 1491 مع "سقوطها" في أيدي المعتدين المسيحيين.

أما في الأميركيتين، فهذه عاش فيها سكان أصليون، ولم "يفتحها" كولومبوس والمسيحيون، بل هم غزوها وارتكبوا مجازر بحق سكانها.

لم يمرّ البرنامج على تواريخ غزوات أخرى، وهو لو فعل ذلك، لكان من السهل العثور على "فتح قسطنطينية" على أيدي العثمانيين الأتراك المسلمين، الذي صادف قبل 38 عاما على "سقوط الأندلس"، والذي شهد مجازر بحق السكان الأصليين المسيحيين، وتحويل كنائسهم جوامع.

رواية الإسلام السياسي للتاريخ انتقائية بشكل يشير إلى غزوات المسلمين للبشر بالـ "فتوحات" العظيمة، ويصف غزوات غير المسلمين بالمجازر بحق السكان الأصليين، فيما الواقع هو أن مقاييس العدالة بين الحضارات تتغير مع العصور، وما يبدو بربريا دمويا اليوم، لم يكن بالضرورة كذلك في حينه.

والمفارقة لدى الإسلام السياسي تكمن أيضا في أن التناقض يكاد يشمل كل الموضوعات التاريخية، ففي تعيير كولومبوس باستعباده أفارقة، تجاهل أن العبودية في الإسلام مسموحة، وأن رسول المسلمين نفسه كان صاحب عبيد، وأن الخلافة العباسية عاملت العبيد بقسوة دفعتهم إلى الثورة في البصرة، في زمن الخليفة المتوكل، في العام 869.

حسنا فعلت قناة "الجزيرة" بحذفها برنامجا دعائيا حزبيا عن الهولوكوست يختبأ خلف التاريخ، وحبذا لو توسّع القناة خطوتها لتحذف، أو على الأقل تتوقف عن الإنتاج مستقبلا، البرامج الدعائية الحزبية المشابهة. طبعا لا بأس في بث مواد مثيرة للجدل، فالتاريخ ليس قصة ثابتة، بل نقاش متواصل، لكن لهذا النقاش أصوله، وهو مبني على مدرسة تأريخ يفني مؤرخون أعمارهم في الالتزام بأصولها وقوانينها.

أما الأندلس، فهي لم تسقط، بل هي نتاج كل تاريخها الطويل، منذ استوطن الفينيقيون شواطئها وشواطئ حوض المتوسط، وأقاموا مدنا تحمل أسماء سامية، مثل ملقة (ملكة) وقادش (جدار)، وقرطاجة (قرية جديدة) والجزائر، ولما وصلها العرب، بعد الرومان والقوطيين، كان سكانها الأصليون مزيجا من الحضارات، أضاف إلى المزيج العرب بصماتهم، وصاروا، كمن سبقهم، جزء من هوية إسبان اليوم.

المفارقة لدى الإسلام السياسي تكمن أيضا في أن التناقض يكاد يشمل كل الموضوعات التاريخية

ربما لا يعرف معدو برنامج "أي جاي بلس" أن كولومبوس تبنى نظرية كروية الأرض من عرب الأندلس، الذين كانوا نقلوها من شعوب ما وراء النهرين، وهو تبنى مقاسات قطر الأرض، التي اعتقدها العرب أصغر، فاعتقد كولومبوس أن بإبحاره غربا يصل الهند، وهو لم يكن يسعى لاستعمار أصلا، بل إلى تجارة مع الهند تثريه.

ومثل كولومبوس، استدار البرتغالي فاسكو دا غاما حول أفريقيا، ولما وصل قرنها، أرشده البحار العربي ابن ماجد إلى الهند، فتم تدشين طريق تجارة هندي أوروبي عبر المحيط الهادئ، وهو الطريق الذي تسلقته عُمان في إقامتها مملكة عُمان وزنجبار، على أنقاض الإمبراطورية التجارية البرتغالية، وهي المملكة التي ولد فيها فاروق بولسارا، الزرداشتي الهندي الأصل والبريطاني فيما بعد، المعروف فنيا باسم فريدي ميركوري، من فريق كوين الموسيقي المشهور.

تاريخ الحضارات ليس بطولة رياضية تتمحور حول فائزين وخاسرين، بل هو تاريخ من التفاعل السلمي والعنفي، نتائجه هي الحاضر، في حلوه ومرّه.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تظاهرة في تونس رفضا لاعتقال المفطرين في رمضان

نضال منصور/

"حرية المعتقد" ليست أكثر من حبر على ورق في العالم العربي، التفاصيل والشواهد كثيرة، والدساتير والقوانين توضع على الرف حينما يتعلق الأمر بالأديان والحريات الشخصية.

لن أدخل في سجالات ونقاشات دينية، ولن أتحدث عن مفهوم "الردة" ونحن في العام 2019، وعن الزواج بين الأشخاص المختلفين في الأديان، وما يترتب على ذلك من إشكالات كارثية، وعن قوانين الأحوال الشخصية المتخلفة عن ركب الحضارة وشرعة حقوق الإنسان، لكني سآخذ زاوية صغيرة ومحدودة تتكرر في شهر رمضان من كل عام.

القصة تتلخص بمنظومة القوانين والقرارات التي تمنع إفطار الناس في رمضان وتعاقبهم، وتشهر بهم، وربما تزج بهم في السجن إن أمسك به متلبسا في المجاهرة في تناول الطعام خلال ساعات الصيام في كثير من البلدان العربية.

رمضان في العالم العربي صار عنوانه "صنع في الصين"

قبل عامين في رمضان ضج الناس في الأردن على تصوير نشر على موقع فيسبوك عن مداهمة رجال الأمن لمطعم والقبض على شباب وشابات وهم يأكلون ويدخنون "الأرجيلة" ظهرا قبل موعد الإفطار، والمثير للسخرية أن الاتهامات وجهت لبعض رجال الشرطة بالتصوير ونشر الفيديو.

أكثر من ذلك، ترصدت إحدى التلفزيونات المحلية محدودة الانتشار مقهى مشهور في عمان وقامت بالتصوير بشكل خفي لزبائن يدخنون ويشربون القهوة، وبثوا التسجيل، ليخضع المقهى بعدها للتضييق والملاحقة من رجال الأمن، على الرغم من أن المقهى لديه رخصة سياحية تسمح له بفتح قهوته خلال رمضان، الأمر الذي دفعه بعد ذلك للإغلاق في شهر رمضان وعدم تكرار التجربة حتى لا يواجه المشاكل.

ما حدث في عمان يحدث في العالم العربي والاستثناء نادر الحدوث. فالمطاعم تغلق أبوابها، وربما تعفى الفنادق ذات الخمس نجوم من هذه الإجراءات والمضايقات، وحتى البلدان التي تتعيش على السياحة تطبق هذه التوجهات المتعسفة والتي في الغالب لا سند لها في القانون.

الحكومات الزاجرة التي لا تستمع لصوت الناس وتطبق ما تراه مناسبا، تنصاع في رمضان لصوت المؤسسة الدينية، وتصغي للآراء الشعبوية التي تريد "أسلمة" المجتمعات، وفرض تعاليمها وطقوسها على الجميع، وتتنكر للتنوع وحقوق الآخرين.

لا تجرؤ الغالبية في مجتمعاتنا على إعلان عصيانها لمحاصرة "حرية المعتقد" بالممارسات والاتهامات. من يرفع صوته يتعرض لحملات تشهير، ولهذا كان مختلفا ولافتا مطالبة بشرى بلحاج حميدة النائب في البرلمان التونسي ورئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة وزارة الداخلية في بلادها بضرورة إلغاء القرار المتعلق بإغلاق المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان.

واعتبرت أن قرار وزارة الداخلية يحد من الحريات الفردية للأشخاص المفطرين في رمضان، وبأن القرار يتعارض مع الدستور التونسي لأنه "يمنع ممارسة الحريات".

في تونس تُعيد وزارة الداخلية تفعيل قرار "منشور مزالي"، نسبة وزير الداخلية الأسبق محمد مزالي في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، والذي صدر عام 1981 ويقضي بحظر فتح المقاهي في شهر رمضان.

موقف النائب بشرى بلحاج يتفق مع الائتلاف المدني من أجل الحريات في تونس والذي انتقد قمع المفطرين معتبرا ذلك خرقا للحريات الفردية التي ترتكبها السلطات العامة، أو مجموعة أشخاص نصّبوا أنفسهم حماة للدين والآداب العامة.

جمعية "المفكرين الأحرار" نظمت حملة أطلقت عليها "موش بالسيف" ـ أي ليس بالإكراه ـ لتكريس مبدأ الحريات الفردية التي أصبحت مطلبا في تونس بعد "ثورة الياسمين".

قرارات تمنع إفطار الناس وتعاقب وتشهّر وتسجن من يجاهر بتناول الطعام

في المغرب، أطلقت صفحة على موقع فيسبوك تحمل اسم "ما صايمينش" دعت إلى إفطار علني بساحة الأمم المتحدة بالدار البيضاء في تحدي صارخ للقيود على حق المغاربة في الإفطار.

تلبس الحكومات ومثلها كثير من الناس "ثوب الورع والتقوى" في شهر رمضان، ويعتبرون المعيار للتدين وتمام الأخلاق الصيام، دون أن يلتفتوا للكثير من السلوكيات التي لا تتفق مع التوجه، فالإنتاجية في العمل تتراجع عند الكثيرين بحجة الصيام، وقيادة السيارات في الشوارع لا تلتزم بالقوانين، والبذخ في الإنفاق على الطعام صارخ ويتنافى مع فكرة الإحساس بالفقراء.

باختصار وحتى لا تكثر الاتهامات والتأويلات، احترم حق من يريد الصيام، فهذه حريته وقناعاته ومعتقده الذي لا يجادله به أحد، لكن هذا لا يعطيه الحق لفرض رؤيته وقيمه ومعتقداته على الآخرين، وإلا فأعلنوها دولا دينية من المحيط إلى الخليج وللمسلمين فقط، وألغوا الدساتير التي تتحدث عن الحريات الشخصية وحرية المعتقد.

♦♦♦

في رمضان ومنذ سنوات طويلة تشهد التلفزيونات معارك حامية الوطيس على عرض المسلسلات، واستقطاب الفنانين، وقبل أن تنتشر الفضائيات وتحتكر بعض المسلسلات كانت الدراما الرمضانية تستقطب الصائمين، فما زلت حتى الآن أتذكر مسلسل ليالي الحلمية بأجزائه المختلفة.

الفضائيات العربية وخاصة الخليجية احتكرت في السنوات الماضية أعمال العديد من الفنانين البارزين، والغريب في الأمر أن الدراما العربية تعيش حالة سبات طوال أشهر العام ولا تصحو إلا في شهر رمضان.

الأكثر طرافة في رمضان منذ سنوات استمرار مسلسل "باب الحارة" السوري، وكثير من الأطفال كبروا واشتد عودهم وأصبحوا شبابا وما زال المسلسل يعرض، والمخرج بتلذذ بتعذيب المشاهدين في إحياء أبطال المسلسل أو اختفائهم وموتهم، وهذا لا يرتبط بالنص الدرامي والحبكة الفنية، وإنما بخلافات شركة الإنتاج والمخرج مع الممثلين، ولن ننسى طغيان وتوظيف الصراع السياسي بعد "الربيع العربي" في سياق المسلسلات الرمضانية.

شاشات الفضائيات والتلفزيونات في العالم العربي تتقاسمها الدراما المصرية والسورية وهذا الحال منذ عقود، أحيانا تتقدم المسلسلات المصرية مع نجومها لتكتسح، وأحيانا أخرى تتقدم الدارما السورية فتخطف الأضواء وتتراجع أمامها بقوة المسلسلات المصرية.

في السنوات الأخيرة، مزيج جديد ظهر على الشاشة بالتزاوج بين الدراما السورية اللبنانية، فالممثلين السوريين الذين يعانون الحصار بسبب الأوضاع المتردية في بلادهم عادوا ليتصدروا المشهد في المسلسلات اللبنانية السورية، وهو ما أشعل حروب علنية وخفية على "السوشيل ميديا" مفادها من صاحب الفضل، هل الممثلون السوريون أعادوا إحياء الدراما اللبنانية بعد موت وقدموهم للمشاهد العربي... أم العكس؟

وفي سابقة هي الأولى من نوعها منذ سبع سنوات يغيب الفنان عادل إمام من مسلسلات رمضان بعد أن كان الأكثر حضورا وأجرا في رمضان، وما قيل وما عرف أنه كان يستعد للظهور بمسلسل "فالنتينو" غير أن المسلسل ورغم سباق الزمن لم يكن حاضرا.

الحكومات الزاجرة تنصاع في رمضان لصوت المؤسسة الدينية

لو تفرغ الناس لمشاهدة المسلسلات في رمضان فإن 24 ساعة يوميا لا تكفي لملاحقة المسلسلات التي أصبحت "الموضة" الأبرز لها استقطاب أصوات المغنين لتكون في مقدمة المسلسل ونهايته.

منذ عامين انشغلت بمشاهدة مسلسل "الهيبة" في جزئيه الأول والثاني، وتعاطفت مع "جبل شيخ الجبل"، الفنان تيم حسن الزعيم وتاجر الأسلحة، ووجدت أن كثيرا من الصديقات والأصدقاء يتابعون المسلسل، ويتعاطفون مع رجل خارج عن القانون، ربما لأنه مع الفقراء ويطبق العدل في "ضيعته" على طريقة "القبضاي" وهو ما يُذكر بالبطل "روبن هود".

♦♦♦

فوانيس رمضان المضاءة، و"الهلال" وأشكال كثيرة باتت مظاهر تغرق العواصم العربية مع بدء شهر رمضان.

حين كنت طفلا، وحتى سنوات قليلة مضت، لم تكن هذه المظاهر حاضرة بقوة، ربما كان "مدفع رمضان" الذي يطلق تقليدا بديلا، وربما كانت الأزقة في المدن والأحياء تحمل صورة أخرى لمظاهر التكافل الاجتماعي وعراقة التاريخ.

رمضان في العالم العربي صار عنوانه "صنع في الصين"، بعد أن صدّرت الصين الفوانيس وتقاليد رمضان الجديدة لعالمنا العربي الغارق في الاستهلاك والاستخدام دون الإبداع والإنتاج حتى لطقوسه في شهر رمضان.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG