رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الإثنين 10 يونيو 2019

التقويم
2019 2018
يناير فبراير مارس أبريل مايو يونيو يوليه أغسطس سبتمبر أكتوبر نوفمبر ديسمبر
يونيو 2019
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
الشيخ أحمد الطيب

عريب الرنتاوي/

صَدمت "مرجعية الأزهر الشريف" ملايين النساء العربيات والمسلمات، بحديث شيخها الدكتور أحمد الطيب عن "حق" الرجل في توبيخ زوجته وتأديبها وهجرها في المضاجع، وصولا لضربها إن تطلب الأمر، مُرجعا ذلك إلى نصوص في القرآن والحديث، لا تعرف التبديل والتأويل، وهي صالحة لكل زمان ومكان.

لكن الشيخ الجليل، والحق يقال، وضع "مسطرة شروط" على الرجل التقيّد بها وهو يهمّ بضرب زوجته، منها ألا يتسبب لها بكسر أو عطب في أحد أعضائها، وألا يتركها مع عاهة مقيمة، وألا يستخدم يده في الضرب، معطيا الضرب معنى رمزيا دلاليا، باستخدام "السوّاك/ المسواك" أو فرشاة الأسنان في أزمتنا الراهنة.. فالأصل أن الرجل يفعل ذلك لاستنقاذ أسرته، والضرب يستهدف المرأة "الناشز" على وجه التحديد، والغاية منه "كسر كبريائها" والحد من "جموحها".. إلى غير ما هنالك من توضيحات، عاد وأدلى بها بعد الضجة الكبرى التي أثارتها تصريحاته في طبعتها الأولى.

كنا نتمنى، وما زلنا ننتظر أن يقود "الأزهر الشريف" حركة إصلاح ديني

والحقيقة أن الإمام الأكبر، أعاد متبرعا، إنتاج خطاب ديني درجت عليه مدارس فقهية معروفة، لطالما نظرت للمرأة بدونيّة واحتقار، وأنكرت عليها حقوقها و"مواطنتها" و"إنسانيتها"، وكرست في كل ما ذهبت إليه من إفتاء وشروحات، مكانتها المتدنية في الدولة والمجتمع، وهو وإن حاول استدراك بعض مما قاله، إلا أنه كان يمضي في الخطأ كلما كان يتوسع في الشرح.

المؤسف أن هذه التصريحات التي تأخذ شكل "الإجازة الشرعية" لضرب النساء، من شأنها أن تشجع على ممارسة العنف والتمييز ضد النساء، بخلاف الزعم القائل بأنها تسعى لاحتواء هذه الظاهرة وتقليصها.. وأظن أن الشيخ ذاته، كان يدرك تمام الإدراك أن الرجل الغاضب من زوجته، أو لأي سبب آخر، لن يلجأ إلى "فرشاة أسنانه" لضرب زوجته بها، وإن هذا الزوج إن اقتنع بعدم استخدام يديه في ضرب زوجته، فلن يتوانى عن استخدام قدمه أو أية أداة تقع تحت يديه، طالما أنها لن تفضي إلى إلحاق الكسور والتشويهات والعاهات المزمنة بالزوجة المضروبة. "حكاية فرشاة الأسنان" تبدو مضحكة للغاية، وهي بدل أن تخفف من وقع المسألة تجعلها أقرب إلى "الكوميديا السوداء".

والمؤسف أيضا، أن هذه التصريحات تأتي في ذروة حديث الدولة المصرية بمؤسستيها السياسية والدينية عن الحاجة "لإصلاح الخطاب الديني"، بعد أن تم اختطافه من قبل جماعات سلفية متطرفة وأخرى إخوانية ـ قطبية، وضعت هدف منازلة السلطة في صدارة أولوياتها.

المؤسستان الدينية والسياسية معنيتان بإصلاح "الشق السياسي" من الخطاب الديني، المتصل بالخروج على الحاكم حصرا، أما الشق الحقوقي المدني، المتعلق أساسا بحقوق النساء، وحقوق الإنسان عامة، فتلكم قضية لا تحظى باهتمام "المرجعية السياسية الأولى" ولا "المرجعية الدينية ـ السنيّة الأولى" في مصر على ما يبدو.

كنا نتمنى لو أن الأزهر قام بدوره ورسالته في التصدي للفكر الظلامي ـ التكفيري

في سعيه لتيسير ابتلاع "فتوى ضرب النساء" نسي شيخ الأزهر، والأرجح أنه تناسى، أن البشرية جمعاء، تواضعت على فهم مشترك للعنف والتمييز ضد النساء، يضع العنف اللفظي والنفسي في منزلة مماثلة أو لا تقل سوءا عن العنف المادي والجسدي الذي يمارس ضد النساء. شيخنا الجليل أجاز النوع الأول من العنف من دون تحفظ، مبيحا "التوبيخ" و"كسر الكبرياء" و"الهجر في المضاجع" إلى غير ما هنالك، مقسما النساء إلى صنفين: ناشز وغير ناشز، مستندا على معيار طاعة الزوج والانضباط لتعليمات بوصفها نقطة الافتراق بين هذين الصنفين، يترتب عليها حقوقا مختلفة وأشكال مختلفة من "التأديب" و"العقوبات".

لم يقل لنا المرجع السنّي الأكبر، ما إن كان "النشوز" ينطبق على الرجال كذلك، أم أنه صفة لصيقة بالنساء دون الرجال. ولم يحدثنا ما الذي يمكن للمرأة أن تفعله مع زوج مستهتر، "ناشز"، يهدم بسلوكياته الأسرة، وربما المجتمع برمتها، ولم يقرأ علينا "لائحة العقوبات" التي يتعين أن يخضع لها نظير أعماله التي تعاقب المرأة بالضرب، إن هي قارفت بعضا منها. هذا مسكوت عنه، في المرجعية الذكورية لرجال الدين والافتاء، فكل همهم محصور بملاحقة النساء ومعاقبتهن على الخطيئة الأولى التي ارتكبتها جدتهن الأولى والتي بنتيجتها سقطنا إلى الأرض بعد أن كان مقدرا لنا أن نعيش في جنان السماء.

أعرف أن سماحته ليس "طليق اللسان واليدين" فيما يقول ويفعل، فهو وغيره من الأئمة الكبار والصغار مكبلين بنصوص تحيط بها هالة من القداسة والقدسية.. بعضهم يعمل على تأويلها وإعادة تأويلها، نسميهم الإصلاحيين، وهؤلاء صوتهم خفيض، وهم عرضة للابتزاز ووابل الاتهامات، ومن خرج منهم عن النص عرّض حياته للخطر.

لكن في حالة شيخ الأزهر هنا، لا عذر له، فهو يمثل المؤسسة الأولى في العالم الإسلامي السنّي، والأصل أن فتواه تتحكم بحياة ملايين البشر. لكن من حسن الحظ (أو سوئه)، فإن هذه المؤسسة، ولأسباب عديدة لا مكان لشرحها في هذه المقالة، فقدت قدرتها على التأثير بحياة ملايين المؤمنين، بعد أن رأوا تقلباتها المضبوطة على إيقاع السلطة السياسية وتبدلاتها، وربما هذا ما يفسر ردود الفعل الغاضبة التي أثارتها تصريحات الإمام الأكبر، والتي اتسمت بالجرأة و"قلة الاعتراف" بمكانته.

لا يجوز تحت ذريعة الصلاح والصلاحية لكل الأزمنة والأمكنة، أن تبقى نساء القرن الحادي والعشرين المسلمات، عرضة لهذا الوابل من الفتاوى التي تلحق إعاقة مزمنة بقدراتهن على انتزاع حقوقهن.

ولا يجوز لمؤسسة الأزهر، أن تتخلى عن مسؤولياتها في الحفاظ على حقوق النساء والدفاع عن "مواطنتهن" و"إنسانيتهن"، والمؤكد أنه من المؤسف أن تكون هذه المؤسسة العريقة، في خندق العداء لكل خطاب إصلاحي يسعى لإنصاف النساء وتمكينهن من استرجاع حقوقهن، كما حصل حين انبرى الأزهر مهاجما تشريعات تونسية تسعى في إنصاف النساء وتمكينهن من حقوق متساوية في الميراث.

لم يقل لنا المرجع السنّي الأكبر، ما إن كان "النشوز" ينطبق على الرجال كذلك

كنا نتمنى أن ينبري الأزهر منافحا عن روح الإسلام في مواجهة بعض "الإفتاء الناشز" حول إرضاع الكبير ومبطلات الوضوء، بدل تركيز جل اهتمامه لمطاردة "المرأة الناشز".

كنا نتمنى لو أن الأزهر قام بدوره ورسالته في التصدي للفكر الظلامي ـ التكفيري، بكل أبعاده ومرتكزاته، وعدم الاكتفاء بالدفاع عن الحاكم وتحريم وتجريم من "يقوم عليه".

كنا نتمنى، وما زلنا ننتظر أن يقود "الأزهر الشريف" حركة إصلاح ديني، تخرجنا من عصور الجهل والخرافة والتطرف، إلى فضاءات العصر وتحدياته، علّه بذلك يساعدنا على اللحاق بركب الأمم التي سبقتنا، ويبدو أن جميع الأمم قد سبقتنا أو هي في الطريق إلى ذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: ما الذي يخشاه الملك من 'صفقة القرن'؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

سناء العاجي/

"أرشيف بريطانيا وفرنسا يكتب باللغة العربية... لأنهم هناك، اكتشفوا أن اللغات التي كتبوا بها أرشيفهم سابقا، تغيرت ولم يعد بإمكانهم قراءتها وفهمها"... و"اللغة العربية هي الأولى اليوم في العالم، بما في ذلك الصين. لكنهم يرفضون الاعتراف بهذا الأمر".

هذه واحدة من التصريحات الغرائبية للبرلماني المغربي المقرئ أبو زيد. فتارة يعتبر أن ستيفن هاوكينز "أبلد من الحمار"، وتارة يقول إن "لا أحد يمكنه إنكار أن الإنسان ينشأ من الحيوان المنوي للرجل والحيوان المنوي للمرأة" وغير ذلك من الخرافات التي يقدمها على أساس أنها حقائق علمية ثابتة.

المركزية العربية و/أو الإسلامية التي يشعر بها البعض هي جزء من دائنا

هذه التصريحات الكاريكاتورية تطرح أكثر من سؤال، أولها كوننا نعتبر أي شخص يتحدث في أمور الدين عالما... بينما للعلم أبجدياته وتجاربه وأبحاثه التي تمكن العلماء من تقديم نظريات علمية وإثباتها أو نفيها، تطويرها، تسجيل نتائج أو ملاحظات وما دون ذلك. لا يكفي أن يتحدث شخص باسم الدين لكي نقول إنه "عالم"؛ حتى لو قال كلاما بعيدا عن الحدود الدنيا من المعرفة العلمية، مثل حكاية "الحيوان المنوي للمرأة".

لكن التصريحات التي خصصها المقرئ أبو زيد للغة العربية تستدعي، لوحدها، أن نتوقف عندها قليلا.

بداية؛ اللغة العربية لغة جميلة جدا وهي اللغة الخامسة في ترتيب اللغات الأكثر استعمالا في العالم (بعد الصينية، الإسبانية، الإنكليزية والهندية)، وهي تتقدم في عدد مستعمليها على البرتغالية، البنغالية، الروسية، اليابانية والبنجابية. للإشارة، فاللغة الفرنسية التي تعتبر اللغة الثانية في المغرب والجزائر وتونس، لا توجد ضمن اللغات العشر الأكثر استعمالا في العالم، بل توجد في المرتبة 17 عالميا. وهذا يطرح أسئلة أخرى حول الاختيارات اللغوية للبلد.

لكن جمالية اللغة العربية واعتبارها الخامسة عالميا في عدد المستعملين (وليس الأولى كما يدعي أبو زيد) لا يجعل منها لغة مقدسة. القرآن كتاب مقدس... لكن اللغة العربية هي لغة كغيرها من اللغات الحية عبر العالم: تتطور، تتغير، تتجدد. كما أن أغلب المسلمين ليسوا عربا، حيث أن البلدان التي تضم أكبر عدد من المسلمين هي أندونيسيا، باكستان، الهند وبنغلاديش. هذه البلدان لوحدها تضم 43،8 في المئة من مسلمي العالم، بينما الدول المسماة عربية لا تضم إلا 20 في المئة من المسلمين. هذا يعني أننا نحتاج لفصل حقيقي بين الإسلام كدين والقرآن ككتاب مقدس من جهة، وبين اللغة العربية من جهة أخرى. كل العرب ليسوا مسلمين وكل المسلمين ليسوا عربا.

اللغات التي لا تتطور تموت، بكل بساطة

​ثم، هل يستطيع أبو زيد ومن هم على شاكلته تجاوز سؤال عدد المستعملين، ليخبرونا كم بحثا علميا تطور باللغة العربية؟ وكم كتابا نطبع باللغة العربية؟

من جهة ثانية، فمن الغباء أن نتصور أن أرشيفات دول كبريطانيا أو الولايات المتحدة الأميركية تكتب باللغة العربية. ببساطة لأنه لا وجود لموظفين يجلسون في مكتب ما ليدونوا الأرشيف!

الأرشيف هو مراسلات وقوانين وقرارات وخطابات وما دون ذلك من تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية والتعليمية للبلد، والتي يحتفظ بنسخ منها للأرشيف؛ وباللغة التي كتبت بها. حين يقدم رئيس الولايات المتحدة الأميركية أو أي مرشح رئاسي خطابا للشعب الأمريكي، فهذا الخطاب يدخل الأرشيف بلغته الأصلية. حين يراسل برلماني بريطاني مسؤولا هنديا، فإن المراسلة يتم الاحتفاظ بها في أرشيف المؤسسة البرلمانية الهندية والبريطانية في لغتها الأصلية. قد تترجم هذه الوثائق للغات أخرى عند الحاجة. لكن، ليس هناك موظف أرشيف يجلس لـ "يدون الأرشيف!".

من جهة أخرى، كل اللغات عبر العالم تتطور. تدخلها مفردات وصياغات جديدة وتغادرها أخرى، بما فيها اللغة العربية. اللغات التي لا تتطور تموت، بكل بساطة. اللغة العربية التي يتحدث بها المقرئ أبو زيد تختلف كثيرا عن اللغة التي كان يتحدث بها أبو جهل وأبو لهب... وهم عرب.

جمالية اللغة العربية وانتشارها لا يجعل منها لغة مقدسة

هذه المركزية العربية و/أو الإسلامية التي يشعر بها البعض هي جزء من دائنا. يمكنك أن تكون مسلما مؤمنا مقتنعا بدينك... دون أن تعتبر نفسك أفضل من العالم بأسره لمجرد أنك مسلم. يمكنك أن تحب عروبتك ولغتك العربية، دون أن تخترع حولها الأكاذيب وتعطيها صبغة علمية أسطورية، بينما يوفر التطور العلمي اليوم الإمكانية لكل شخص عاقل لأن يبحث عن المعطيات المتوفرة ويتأكد بنفسه.

لكن المشكلة الحقيقية التي يستغلها أبو زيد وأمثاله، أن الكثير من أتابعهم لا يبحثون عن المعطيات للتأكد... يصدقون كلامهم لأنه يصبح مقدسا، ما داموا يبدؤونه بـ "باسم الله". حتى لو أخبروهم أنهم نشؤوا من الحيوان المنوي للرجل والحيوان المنوي للمرأة!

اقرأ للكاتبة أيضا: لا وساطة في الإسلام؟ حقا؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG