رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الأربعاء 5 يونيو 2019

بابكر فيصل/

"ولئن ساغت العلمانية في بلاد أوروبا لأن النصرانية مُحرَّفة، ولأن رجال الدين سيطروا على عقول الناس وقلوبهم، وحاربوا العلم والعلماء حربا لا هوادة فيها، ولأن النصرانية لا تتضمن نظاما متكاملا عن الحياة، فإنها لا تسوغ في مجتمعات المسلمين بحال، لأن الإسلام دين شامل متكامل يستغرق قضايا الدنيا والآخرة، ويلبي مطالب الروح والجسد، ونصوصه الكلية تندرج تحتها من أحكام الجزئيات ما لا يتناهى".

الحديث أعلاه هو جزء مقتطع من إجابة مطولة لرجل الدين السلفي السوداني، عبد الحي يوسف، عن السؤالين التاليين اللذين سألهما أحد أصدقاء موقع "المشكاة" الإلكتروني: ما هو حكم الديمقراطية والعمل بها في الإسلام؟ ما هو حكم العلمانية في الإسلام؟

عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد أن شمولية الدين تعني اكتفاءه بوضع القيم والمبادئ العامة

من المعلوم أن جميع تيارات الإسلام السياسي تبني دعوتها إلى ضرورة تطبيق الشريعة وأسلمة الدولة وعودة الخلافة على ادعاء يقول إن الإسلام دين شامل لكل نواحي الحياة وبالتالي فإنه من المستحيل فصله عن الدولة مثلما حدث في الديانة المسيحية التي يقولون إنها تختلف اختلافا جذريا عن الإسلام.

وقد شرح الدكتور يوسف القرضاوي فكرة الشمول هذه في كتابه "التربية السياسية عند الإمام حسن البنا" بالقول إنها تعني: "أن الاسلام يشمل الحياة كلها بتوجيهه وتشريعه: رأسيا منذ يولد الإنسان حتى يتوفاه الله. بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته. وأفقيا، حيث يوجه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم وعلاقات السلم والحرب".

وعند سيد قطب أن "الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة، وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة، ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة"، وهذا يعني أن الإسلام يشمل الحياة الإنسانية برمتها ابتداء من السياسة إلى شؤون الحياة الفردية.

بهذا المعنى فإن الدين لدى تيارات الإسلام السياسي ودعاة تطبيق الشريعة ـ وكما يقول صلاح سالم ـ يكون شاملا فقط عندما يتحدث في كل شيء ولا يسكت عن أي شيء، وعندما يطرح كل الأسئلة ويقدم جميع الإجابات، أو كما قال عبد الحي يوسف في إجابته أعلاه عندما "يستغرق قضايا الدنيا والآخرة".

ولكن على العكس التام مما يدعيه هؤلاء فإن شمولية الدين واستمرار فاعليته تكمن في عموميته وتساميه عن الوقائع المتجددة وعدم تدخله في تفاصيل الحياة المتغيرة، فهو يطرح الإجابات على الأسئلة الوجودية الأساسية حول الحياة والموت، خلق الكون ومسيره ومآله الأخير، مصير الإنسان والقيم التي يجب أن تحكم حياته.

إن اكتفاء الدين بطرح المبادئ والتصورات والقيم الكبرى وامتناعه عن الاستغراق في الشؤون التفصيلية المرتبطة بكيفية إنزالها على واقع الناس في الحياة هو الذي يؤكد على شموليته، وهذا هو الأمر الذي يثبته النص الديني (القرآن) والتجربة التاريخية الإسلامية.

في مسألة السياسة والحكم، يؤكد القرآن على قيم عامة أساسية مثل الحرية والعدل والشورى، ولكنه يصمت عن كيفية تطبيقها في الواقع الحياتي المتغير، ولا يضع تفصيلات محددة يجب إتباعها في جميع الأحوال والأوقات، وكذلك فعل الرسول الكريم في واقع الممارسة التاريخية، فهو لم يترك لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله، وكذلك امتنع عن اختيار من يخلفه في إدارة أمرهم.

قد جاء اختيار أبو بكر الصديق في السقيفة بأسلوب غلب عليه النزاع بين المهاجرين والأنصار من جهة وبين آل بيت الرسول وبعض كبار الصحابة من جهة أخرى. فالأنصار الذين يئسوا من تولية سعد بن عبادة بعد أن رأوا تشبث عمر وأبي بكر قالوا "منا أمير ومنكم أمير" ليجيبهم الصديق "منا الأمراء ومنكم الوزراء".

وعند وفاته، لم يترك أبو بكر شأن تولية من يخلفه إلى عامة المسلمين أو حتى أهل الحل والعقد، بل أوصى لعمر بن الخطاب بكتاب مغلق بايع عليه المسلمين قبيل وفاته دون أن يعلموا ما بداخله.

وعندما دنا عمر من ملاقاة ربه لم يتبع أسلوب السقيفة أو أسلوب الصديِّق في الاختيار، بل قصر الاختيار على ستة أسماء "علي وعثمان وطلحة والزبير وابن عوف وسعد"، يختارون من بينهم من سيتولى الأمر.

القرآن والرسول أحجما عن وضع أسلوب مُفصَّل أو وسيلة معينة لاختيار الحاكم

أما علي بن أبي طالب فقد تمت توليته تحت ظلال السيوف وعلى أسنة الرماح بموافقة بعض الأمصار ورفض البعض الآخر، عقب فتنة اغتيال ذي النورين. وبعد اغتيال علي انفرد معاوية بن أبي سفيان بحكم المسلمين، ومع توليه إمارة المسلمين تحول الحكم إلى مُلك عضوض واختفت حتى اليوم كل أساليب الاختيار عدا أسلوبي الغلبة والوراثة.

وإذا كان القرآن والرسول قد أحجما عن وضع أسلوب مُفصَّل أو وسيلة معينة لاختيار الحاكم، فإنهما كذلك لم يضعا نظاما معينا للحكم يُحِّدد سلطات ذلك الحاكم وصلاحياته، وآلية اتخاذ القرار في الدولة، والفترة الزمنية التي يبقى فيها الحاكم على سُدَّة الحكم، وغير ذلك من الأمور التفصيلية التي يجب توافرها في أنظمة الحكم.

يقول قاسم أمين في إطار حديثه عن الخلافة الإسلامية: "أما من جهة النظامات السياسية فإننا مهما دققنا البحث في التاريخ الإسلامي لا نجد عند أهل تلك العصور ما يستحق أن يُسمى نظاما، فإن شكل حكومتهم كان عبارة عن خليفة أو سلطان غير مُقيد، يحكم موظفين غير مُقيدين... ربما يُقال إن هذا الخليفة أو السلطان يُولى بعد أن يُبايعه أفراد الأمة، وأن هذا يدل على أن سلطته مستمدة من الشعب صاحب الأمر. ونحن لا ننكر هذا، ولكن هذه السلطة التي لا يتمتع بها الشعب إلا بضع دقائق هي سلطة لقيطة، أما في الحقيقة فإن السلطان هو وحده صاحب الأمر".

إن عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد ما ذهبنا إليه من أن شمولية الدين تعني اكتفاءه بوضع القيم والمبادئ العامة التي يجب أن تلتزم بها السلطة السياسية في المجتمع دون الخوض في تفاصيل الأشكال والآليات التي تتخذها السلطة في إنزال تلك المبادئ إلى الواقع التطبيقي. إنها "شمولية وجودية" وليست "شمولية سياسية" بحسب تعبير صلاح سالم.

لم يترك الرسول لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله

ولعل من أبلغ العبارات الدالة على شمولية الإسلام الوجودية وليست السياسية هي تلك المنسوبة للفقيه ابن القيم: "أينما يكون العدل فثم شرع الله". هذه المقولة الدالة تبين أن أحد المقاصد الكلية للدين هو تحقيق العدل وبالتالي فإنه ليس مهما نوع النظام السياسي (الوسيلة) الذي يتم عن طريقه الوصول لتلك الغاية، بل إن تنزيلها إلى أرض الواقع والممارسة وحده كفيل بإعطائها الصفة الإسلامية.

يظن دعاة أسلمة الدولة خطأ أن غياب القيم الوجودية الكبرى من شاكلة الشورى والعدل والحرية عن العالم الإسلامي إنما يرجع لغياب الدولة الإسلامية "الخلافة"، وأن عودة الأخيرة سيضمن إنزال تلك القيم على أرض الواقع ضربة لازب، ويفوت عليهم أن تلك القيم لم تسد طوال تاريخ الخلافة إلا في فترات استثنائية قصيرة جدا، وأن غيابها لم يكن بسبب زوال الخلافة بل كان بسبب الاستبداد الذي كان سمة تلك الفترة من تاريخ البشرية جمعاء.

وبالتالي فإن أي محاولة لأسلمة الدولة أو استعادة الخلافة لن تجدي في بسط القيم الكبرى التي ينادي بها الإسلام طالما أن توجهات تلك الدولة ظلت قائمة على أسس الاستبداد الذي كان سائدا قبل ظهور الدولة الحديثة، وطالما أنها ترفض نظام الحكم الديمقراطي الذي لا تكتمل أركانه إلا بالعلمانية السياسية.

اقرأ للكاتب أيضا: عقوبة الرجم: حول روايات اعتراف ماعز بالزنا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مصري يقرأ القرآن في أحد المساجد (أرشيف)

محمد المحمود/

يتكرر منذ فجر تاريخ الإسلام وإلى اليوم مصطلح "الفرقة الناجية" في أدبيات كثير من الفرق المذهبية/ الدينية؛ مقرونا بادعاءات صريحة تؤكد امتلاك الحقيقة المطلقة على نحو احتكاري؛ يقضي ـ بالضرورة ـ على الآخرين بالزيغ والضلال؛ بل وبالهلاك في عالمي: الغيب والشهادة. وبالنظر إلى المعنى العام المُتضَمّن في هذا المصطلح الاصطفائي/ "الفرقة الناجية" نجد أنه معنى تَحيّزي احتكاري يتكرر في أدبيات الأديان السابقة على الإسلام، على نحو ما تقرره مقولاتها الأساسية، ضمنا، أو على نحو صريح؛ كما في مصطلح "الشعب المختار" الشائع عند العبرانيين.

ينص الحديث المنسوب للرسول الأعظم/ محمد ـ ص ـ على أن أمته/ المسلمين ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، كما افترقت اليهود من قبل على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة. والحديث مروي بعبارات متنوعة، لكنها ـ بمجملها ـ تجمع على هذا التقسيم العددي (71 يهود، 72 نصارى، 73 مسلمون)، وعلى هذا المعنى الاصطفائي الاحتكاري الذي يتكرر حضوره في الخطاب الديني التقليدي.

مفهوم الفرقة الناجية أخطر مما نظن

لقد أصبح هذا الحديث مَحَلَّ نزاعٍ وخصام عقائدي طويل، إذ كل فِرْقة تزعم أنها هي هذه الـ"واحدة" المستثناة من الهلاك/ من دخول النار. وطبعا، الأمر لا يتعلق بنجاة في عالم الغيب خاصة، أي باستحقاق ما ورائي؛ بل بصوابية سابقة في عالم الشهادة/ عالم الناس على هذه الأرض، وهي صوابية مطلقة، لا يمكن أن تنهض مشروعية الهيمنة المطلقة واقعيا إلا على استحقاقاتها النظرية. بمعنى أن من يستحق النجاة في الآخرة، هو المصيب شرعا/ دينا في هذا الدنيا، ومن حيث هو كذلك؛ فهو صاحب الحق المطلق في السيادة، ويجب على كل السائرين إلى الله أن يتبعوه وحده؛ لأنه ـ وحده ـ على الحق المبين الذي لا حق سواه. وفي المقابل؛ مَنْ أعرض عنه في قليل أو كثير، فهو من "الكافرين" في هذه الدينا، وفي الآخرة هو من "الهالكين".

من هنا، لا عجب أن يكون الخطاب المهووس بالتكفير والتضليل والتبديع والتفسيق هو ذاته الخطاب المهووس بأوهام احتكار الحقيقة المطلقة، وهو ذاته الخطاب الذي يُشَرْعن قتل المخالفين لمجرد الاختلاف على الآراء/ العقائد؛ لأن الأمر ـ في تصورهم ـ يبدو على هذا النحو المُبسّط: الهالك في الآخرة/ في الزمن السرمدي/ في الوجود الحق، حقيق أن يُهْلَكَ/ يُقتل في هذه الحياة/ في الزمن العابر/ في الوجود المزيف، أو على الأقل إقصاءه معنويا من الوجود، من الحضور الفاعل المشروع.

طبعا، هذا الحديث الذي يتكرر على ألسنة سدنة الأصوليات التقليدية بمناسبة وبدون مناسبة، يُعاني من إشكاليات في متنه/ نصه، فضلا عن كونه يعاني من إشكاليات في سنده/ مساره التوثيقي.

فأولا، هناك كثير من علماء الحديث لم يصححوه، بل رأوا أن طُرُقَه الإسنادية كلها ضعيفة، وأنه يَتَقَوّى بمجموع هذه الطرق على ضعفها في ذاتها. وعلماء العقائد أصلا لا يقبلون به لكونه حديثا في العقائد، والعقائد لا يُقْبَل فيها إلا الحديث المتواتر، بينما هذا الحديث لم يبلغ حَدّ التواتر. ثم إنه ـ من حيث موقف "علماء" النقل الحديثي منه ـ مثير للريب، فهو وإن رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، إلا أن البخاري ومسلم المعتمدين في أعلى درجات التوثيق عند أهل السنة المتأخرين لم يروياه في صحيحيهما، فضلا عن أن لهؤلاء "العلماء" كلاما طويلا في نقد رواته لأسباب مختلفة... إلخ الإشكاليات التوثيقية التي تطعن في ثبوته على أي حال.

كل الفِرَق الدينية عبر التاريخ الإسلامي كافحت لترسيخ الأوهام الاصطفائية عند أتباعها

هذا من ناحية التوثيق وفق تقاليد الإسناد الحديثي. أما من ناحية المتن، ونقده بمنطق العقل/ العلم، فنجد المتن يتعارض مع حقائق الواقع الصلبة؛ ما يؤكد أنه حديث لم يصدر قطعا عن النبي الأعظم ـ ص ـ. الحديث يذكر افتراق اليهود إلى 71 فرقة، ولم يُعرَف هذا العدد عن اليهود، وكذلك افتراق النصارى إلى 72، وهذا بعيد عن الصواب، ويذكر افتراق المسلمين إلى 73، وهنا يأتي السؤال: كيف يمكن ضبط العدد، ما المعيار اللاهوتي فيه، هل المقصود بهذا التقسيم عدد الفِرَق الكبرى تحديدا (وهذه عددها بعدد أصابع اليد الواحدة أو أكثر قليلا، ولا تبلغ عشرا بحال)، أم هي الفِرَق الصغرى/ الفرعية (وهي الآن، في حال المسلمين، أكثر من هذا العدد/73 بكثير، ثم هي تتناسل/ تتكاثر بمرور الأيام)؟!

زيادة على ذلك، فعبارة "كلها في النار" حكم كثير من العلماء (حتى أولئك تسامحوا مع السند المُعْتَلّ وحكموا بصحة الحديث بالمجمل)، بأنها موضوعة/ مكذوبة يقينا. ولا شك أن تجرّد النص/ الحديث من هذه العبارة ينزع طابع الاصطفاء المزعوم عن أولئك الذين يحاولون احتكار الحقيقة/ الصواب الديني؛ لأن الحديث من غيرها يصبح مجرد خبر عن افتراق/ اختلاف طبيعي يتكرر في المجتمع الإنساني كجزء من الضرورات المصاحبة لصيرورة تطوّره. بل إن الحديث من غير هذه الجملة الإقصائية يحمل تصويبا متضمنا لكل الفِرَق في نسبتها إلى الأمة التي يضيفها النبي إليه إضافة انتماء ديني، فهي "أمّتُه" الناجية بالاستجابة له، وكل الفِرَق تعود إليه/ تنجو؛ من حيث هي تعود إليها/ إلى أمته الناجية. أي الأمة بالمجمل ناجية، ومن ثم، فأجزاؤها/ فِرَقهُا كلها داخلة في هذا الحكم العام/ حكم النجاة.

ثم لو افترضنا جدلا أن هذا الحديث الإشكالي صحيح بكل عباراته (وهو لا يصح حتما)، وأن ثمة ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فمن يستطيع تحديد هذه الفرقة الناجية؛ حتى لو استحضر المتخاصمون النص الآخر الذي يحدد معيار الفرقة الناجية بـ"ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، إذ مَن يستطيع الجزم يقينا أنه يملك درجة التطابق التام مع التجربة النبوية في إبان تشكلها الأول؟ وإذا وُجد من يزعم ذلك لنفسه ـ ادعاء ـ ويؤكد هذا الادعاء بما يراه أدلة براهين؛ فمن يحكم له بصحة زعمه؛ إذ لا يجوز أن يحكم لنفسه بنفسه، لا يجوز أن يكون مُدّعيا وقاضيا في آن واحد.

إن النكهة السياسية المذهبية ظاهرة في صياغة هذا النص. فهو نص ظهر وشاع في الوقت الذي كانت الغنائم الدنيوية/ الأنصبة المادية تُؤخذ بصكوك المشروعية الدينية التي تمنح الحراك السياسي/ الاجتماعي إمكانية الحشد والاصطفاف كآلية لتحقيق الغلبة على أرض الواقع. إنه نص يُدين الآخرين، كل الآخرين، يحكم عليهم بالهلاك الأخروي الأبدي (الذي يمنح المشروعية لنفيهم في هذه الحياة، أو على الأقل يُمَهّد له)، بينما يمنح الـ"أنا" الصواب الكامل الضامن للنجاة في الآخرة على مستوى التصور العقدي، وهو التصور الدوغمائي الذي يشعرهم بأن لهم وحدهم شرعية الحضور كأصحاب حق وحقيقة، كخلفاء لله على هذه الأرض، كمُهَيمنين شرعيين، وكشهداء على الناس!

عبارة "كلها في النار" حكم كثير من العلماء بأنها موضوعة/ مكذوبة يقين

وإذا كانت كل الفِرَق الدينية/ المذهبية عبر التاريخ الإسلامي كافحت لترسيخ هذه الأوهام الاصطفائية عند أتباعها، وأنها ألحّت ـ بدرجات متفاوتة ـ على مركزية ذاتها كمعيار للصواب الديني، وبالتالي؛ كمعيار لتأسيس شرعية الحضور في الواقع المتعين، فإن هذا الإلحاح المتواصل والمتكرر من جميع الفرقاء على هذا المعنى الاصطفائي، حوّل هذا التصور العقدي الدوغمائي إلى "نمط تفكير" ينتظم كل مناحي الحياة، أي يتجاوز المجال الديني صراحة؛ ليصل إلى مستويات التحكم اللاواعي بمجمل تصورات الأنا عن الآخر، كل آخر، في كل المستويات، وفي كل سياق.

إذن، مفهوم الفرقة الناجية أخطر مما نظن؛ لكونه يتجاوز ـ بالضرورة ـ سياقاته الأصلية في عملية التمركز الديني/ المذهبي، فهو بفعله وتفاعله مع الواقع على نحو متواصل عبر حقب التاريخ الإسلامي المتطاولة، وبالإلحاح حدّ الهوس على تأكيده نظريا، كان يتحوّل تدريجيا من مجاله الديني الخاص الذي يفترض أنه يتحدد فيه؛ ليُشَكّل ذِهنية اصطفاء عامة/ شاملة، ذهنية اصطفاء ذات طابع احتكاري نرى تمظهراتها في كل مستويات/ دوائر التحيّز: في الذات، وفي القبيلة، وفي القرية أو المدينة، وفي المنطقة، وفي الوطن القُطْري، وفي القومية، وفي الإقليم الجغرافي، وفي المذهب، وفي الدين، وفي الحقل العلمي التخصصي، وفي التيار/ المذهب الفكري، بل وحتى في النادي الرياضي، فأنا كذات متفردة بالصواب أُمَثّل الفرقة الناجية من بين الأفراد الآخرين، وفي القبيلة تبدو قبيلتي هي الفرقة الناجية من بين القبائل، وفي المذهب أطرح مذهبي بوصفه الفرقة الناجية من بين المذاهب...إلخ، حتى ليصبح ذوقي الخاص بالطعام أو في اللباس أو المسكن هو معيار الصواب/ الذائقة الأرقى في هذا المجال.

اقرأ للكاتب أيضا: الصحوة الإسلامية في سياقها التاريخي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG