رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الأحد 14 يوليه 2019

نساء سوريات يحيين اليوم العالمي للمرأة

كوليت بهنا/

ما إن نشرت إحدى السيدات السوريات صورتها على "فيسبوك"، انهالت عليها التعليقات المسيئة التي تطعن في شرفها وأخلاقها، ولم تكتف بعض التعليقات بالإساءات الشخصية، بل نُسخت صورتها وتم تبادلها على بعض الصفحات، ليرتفع عدد التعليقات المسيئة خلال دقائق إلى الآلاف.

سبب هذا الاعتداء اللفظي الصارخ على السيدة، هو صورتها الجديدة التي أعلنت فيها تخليها عن الحجاب، وهي سيدة شابة ومتزوجة، هربت قبل ثمان سنوات مع عائلتها إلى مدينة أورفا التركية، تحمل شهادة الماجستير في الرياضيات وتعمل كأستاذة في عدد من المدارس، وتعطي دروسا خاصة مجانية للطلاب في عدد من مخيمات اللاجئين، إضافة إلى نشاطها المشهود له في مواكبة عمليات الإغاثة وتقديم كل أشكال الدعم النفسي والمعنوي لأبناء بلدها في الخارج، وبدت في الصورة التي نشرتها بدون حجاب، ترتدي ملابس محتشمة، وقد علقت ببهجة واضحة إن شعرها يرى الشمس للمرة الأولى.

هناك ظلم تدفع ثمنه النساء مهما فعلن، بمنعهن من حق التعبير والاختيار

كل ما تقدم من مواصفات حميدة ارتبطت بهذه الشابة طوال السنوات الماضية، أسقطه المعلقون المسيؤون الذين يعيشون بمجموعهم بين تركيا ودول اللجوء الغربية، ومحوا تاريخها المضيء وكأنه لم يكن، واتهموها بدم بارد بالانحراف والانحلال الأخلاقي الذي يعيشه الغرب، ومنه تركيا العلمانية، واعتبروها مشاركة مضلَّلة وفاسدة في حملة الغرب الصليبية الجديدة ضد الإسلام وحجاب المرأة. لم يكتفوا بما تقدم، بل توعدوا بقصاصها أشد قصاص، وشنوا هجوما أكثر شراسة على زوجها وأهلها وكل أقاربها.

قبل عامين أيضا، تخلت سيدتان سوريتان عن حجابيهما، الأولى في السويد والثانية في ألمانيا؛ وبدورهما، تحمل كل منهما شهادة دراسية عليا، وتعملان كناشطتين نسويتين مع عدد من منظمات المجتمع المدني وتقومان بتقديم كل أشكال الدعم للاجئين، وتعرضتا، ولا تزالان تتعرضان، إلى هجمات إلكترونية مسيئة تتوعد قصاصهما، وتطعن في شرفيهما، وتنكل بهما أشد تنكيل معنوي مستمر.

تنتمي الشابات الثلاث إلى خلفيات أسرية عريقة معروفة وبيئات اجتماعية سورية مختلفة، وهي مجتمعات، وإن اختلفت بالجغرافيا، إلا أنها لا تختلف بالأعراف والتقاليد الاجتماعية إلا بنسب متفاوتة. ويعتبر حجاب المرأة فيها جزءا أصيلا لا يتجزأ من النسيج الديني والاجتماعي.

عن الانتماء لهذه البيئة، تشرح الشابة الأولى القادمة من مدينة دير الزور، بأنها وضعت الحجاب في سن صغيرة عن دون قناعة، لكن أيضا بدون إكراه، وببساطة تفسر حجابها بأنه سلوك اجتماعي يتماهى مع احترام أهلها للتقاليد الاجتماعية العامة، أما اليوم فهي تعيش في بيئة مختلفة طورت وعيها السياسي وقناعاتها بالعلمانية، وأقنعت زوجها وأهلها دون صدام، مؤكدة إنها ما زالت تمارس شعائر الدين الإسلامي الذي تجلّه وتحترمه كمسلمة مؤمنة، دون أن تجد أن قطعة القماش التي تغطي رأسها هي التعبير أو الدليل الدامغ على تدينها. وختمت أن جوهر ما أقدمت عليه، هو مشاعرها الإيجابية بتمكنها من ممارسة حرية التعبير واختيار شكل الحياة التي تريدها.

تخلع النقاب بعد تحرير منبج من داعش
تخلع النقاب بعد تحرير منبج من داعش

فيما خلصت الشابة التي تعيش في فرنسا وتعمل كناشطة سياسية في مجال حقوق الإنسان، وحقوق النساء السياسية منها بشكل خاص، بأن تخليها عن الحجاب الذي فرض عليها بالعنف، ثورة اجتماعية مرادفة لا تقل أهمية عن ثورتها العامة، وبأنها بحكم انتمائها إلى ريف دمشق المتعصب، ناضلت ولا تزال ضد كل أشكال الاستبداد، والسعي إلى حرية التعبير والاختيار الذي يتضمن الحرية الدينية.

أما السيدة الثالثة التي تنتمي إلى بيئة مدينة درعا وتعيش اليوم في ألمانيا، ورغم أنها لم تحد كثيرا عن رأي زميلتيها، إلا أنها أوضحت بصراحة أكبر إنها تعيش في مدينة تنشط فيها جماعات اليمين الألماني المتطرف، وتشعر دوما بنظرات العداء والكراهية لحجابها وعائلتها، وأرادت أن تتخلص من الشعور الدائم بالخوف وتبدي اندماجا شكليا في المجتمع الذي فرض عليها بسبب واقع اللجوء.

تنوعت المجتمعات البشرية بعاداتها وتقاليدها منذ بدء نشوئها، اندثر بعضها لأسباب مختلفة، فيما حافظت العديد منها على تقليد الزي الخاص بها، مما شكل جزءا من هويتها العرقية أو الدينية أو الفلكلورية المتميزة عبر مئات السنين. تنوعٌ كان ولا يزال يعزز مفهوم وحق الاختلاف الإيجابي، ويمنح اللوحة البشرية الفسيفسائية بعدا أكثر نبلا وجمالية.

لا يخرج الحجاب، باختلاف أشكاله وبيئاته، عن هذا التنوع العالمي بصفته بات رمزا يخص هوية مسلمات العالم الدينية، لكنه، وبشكل استثنائي وحاد، لا يزال الاقتراب من النقاش بشأنه إشكاليا، ويمنع أو يحرم الحديث عنه مثل "تابو" لدى الأغلبية المسلمة، رغم أن مجتمعات مشرقية دينية قبل الإسلام، ارتدت نساؤها شكلا من أشكال الحجاب بصفته زيا تقليديا واجتماعيا أكثر مما هو ديني، أو قبل أن يتحول إلى زي يشير إلى هوية دينية، ولا يخلق الحديث بشأنها حساسيات كتلك التي تحدث لدى المسلمين.

حرية التعبير والاختيار المعززتان بالوعي الذاتي، هما البوصلة المفتقدة

في الوقت ذاته، يتعرض مفهوم الحجاب وصاحباته من الجانب المناهض له، بصفته رمزا يشير إلى الهوية الدينية الإسلامية، إلى ممارسات عنصرية ورؤية بغيضة لا تخرج عن مفهوم "الإسلاموفوبيا" المنتشر في السنوات الأخيرة، والذي تدفع المحجبات في مواجهاتهن اليومية والمستمرة له أثمانا معنوية ظالمة، ويتعرضن لكل أشكال التمييز والتعسف والكراهية العابرة للقارات.

في الحالتين، هناك ظلم تدفع ثمنه النساء مهما فعلن، بمنعهن من حق التعبير والاختيار واحترام هذا الحق من جميع الأطراف، وهو ملخص ما عانت منه السيدات الثلاث وأردن أن يوصلنه بشجاعة، بحيث تصير حرية التعبير والاختيار المعززتان بالوعي الذاتي، هما البوصلة المفتقدة، دون إكراه أو تعنيف، في أية حالة يرغبن بها، وأينما كانت البيئة التي يعشنها، وأيا كانت القضية.

اقرأ للكاتبة أيضا: شيخ وقور بمعطف طويل يؤدي النشيد الأميركي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
سناء العاجي

سناء العاجي/

"إذا كنتم تعتبرون المثلية الجنسية حرية، فلماذا لا نقبل أيضا بالبيدوفيليا والدعارة".

"ما دمتم تدافعون عن الحريات الجنسية، فيمكننا أن نقبل غدا الاغتصاب والعلاقة الجنسية مع الأطفال بموافقة ولي الأمر".

هناك، للأسف، خلط كبير لدى العديد من الأشخاص بين مفاهيم لها علاقة بالجسد، لكنها تختلف جوهريا عن بعضها البعض.

المثلية الجنسية هي ميول جنسي وعاطفي من طرف شخص لأشخاص آخرين من نفس جنسه. كما شرح ذلك الصديق نجيب المختاري في مقال نشره مؤخرا على صفحته، فالحديث عن المثلية كـ "اختيار" يعني أن الأشخاص غير المثليين توفرت لهم في وقت من الأوقات إمكانية الاختيار بين المثلية الجنسية أو الغيرية، فاختاروا الغيرية. لا أحد منا يتذكر مثلا متى بدأ يميل لأشخاص من الجنس الآخر، ولا رجلا بيننا قرر بكامل وعيه أنه سيميل للنساء بدل الرجال ولا قررت امرأة بكامل وعيها أن تميل عاطفيا وجنسيا للرجال بدل النساء. وهذا بالذات ما يحدث مع المثليين... لذلك، فالحديث عن "اختيار" يشكل مغالطة كبيرة أو سوء فهم عظيم.

ليس لولي الأمر أن يقرر في الحياة العاطفية والجنسية لأطفاله

ثم، هل نتخيل أن يختار شخص المثلية بكامل وعيه (بينما ميوله الحقيقي غير ذلك)، ونحن نعلم حجم الاضطهاد والعنف الجسدي والنفسي الذي يعيشه المثليون في مجتمعاتنا؟

هنا طبعا، علينا أن نستحضر "اعتراضا آخر" مفاده أن المثلية "موضة" لأن الغرب يدفع مبالغ مهمة للمثليين!

مشكلة الكثيرين بيننا أنهم يعيشون وَهْمَ مركزيتهم في الكون. الغرب يخطط ليدمر العرب والمسلمين. الغرب يخطط لدعم المثليين بهدف إفساد أخلاق المسلمين (وكأن أخلاق مجتمعاتنا مثالية!). الغرب يدفع للنساء من أجل خلق التصدع الأسري تحت شعار حقوق الإنسان وحقوق المرأة (طبعا، فالإسلام كرم المرأة!). نظرية المؤامرة تعشش في أذهان كثيرين. وطبعا، لم يسمع أحدنا أن الغرب يخطط ليقضي على أخلاق اليابانيين مثلا، ولا سمعنا أنه يدفع للمثليين في سنغافورة أو الصين.

للغرب مصالح يدافع عنها، وأحيانا بطرق غير مشروعة. لكن هذا لا يعني أن نعتبر أنفسنا في مركز الكون ونتخيل أن العالم يتآمر ضدنا. ما الذي نملكه من تقدم علمي أو حضاري ليخطط كل الكون ويتآمر ضدنا؟

ثم، في عودة للمثلية، هل نتخيل أن رجلا يميل عاطفيا للنساء أو امرأة تميل للرجال، سيرتبطان بعلاقة عاطفية وجنسية مع أشخاص من جنسهم لمجرد المال، وقد يعرضان أنفسهما للسجن وللعنف في الشارع والنبذ من طرف محيطهما؟ هل يمكنك، مقابل المال، أن تتخيل(ي) نفسك مع شخص من جنسك؟ اللهم إذا أصبح الشخص مهني جنس، يبيع جسده بمقابل (بل حتى مهنيو الجنس، فهم عادة يبيعون المتعة حسب ميولاتهم الطبيعية). من الصعب، منطقيا، أن نتخيل تحول شخص للمثلية، بينما هو غيري، لاتباع موضة أو مؤامرة غربية.

لكن، هناك ما هو أفظع. أغلب من يرفضون المثلية أو يعتبرونها "اختيارا وانحرافا وشذوذا"، لا يقبلون مفهوم الاغتصاب الزوجي. أن يفرض رجل على زوجته ممارسة الجنس، لأنه يملك عقد زواج (عقد ملكية؟)، هو أمر مقبول. "حقه الشرعي"! لكن، أن يمارس شخصان الجنس رضائيا، فهما فاسدان منحلان. وإن كانا من نفس الجنس، فهما شاذان. بعض الظرفاء يعتبرون أنه، ما دام الزوج ينفق عليها، فمن حقه ممارسة الجنس معها متى شاء. ليس في الأمر أي شذوذ! ما أعظم أخلاقنا وما أروع تصورنا للعلاقة الزوجية!

أغلب من يرفضون المثلية أو يعتبرونها "اختيارا وانحرافا وشذوذا"، لا يقبلون مفهوم الاغتصاب الزوجي

الحقيقة أن الشذوذ الحقيقي هو فرض علاقة جنسية على شخص آخر عن طريق الاغتصاب (حتى لو توفر عقد زواج) أو عن طريق الاتجار في البشر عبر الشبكات المنظمة لبيع الجنس.

الشذوذ الحقيقي الآخر هو الاعتداء الجنسي على أطفال غير قادرين على إدراك ميولاتهم ورغباتهم، بما في ذلك عبر تزويج القاصرات. ليس لولي الأمر أن يقرر في الحياة العاطفية والجنسية لأطفاله. كما أن خلط المثلية بالبيدوفيليا هو تخلف وغباء لا تفسير لهما.

حين سنميز فعليا الشذوذ كاعتداء على جسد وكرامة الآخر؛ ونقبل العلاقات الرضائية، المثلية أو الغيرية، بين الراشدين... سنكون قد خطونا خطوة نحو بعض من الإنسانية. بانتظار ذلك، فنحن شعوب متناقضة بطبعها.

اقرأ للكاتبة أيضا: لا تكتب عن كذا... اكتب عن كذا!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG