رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الخميس 18 يوليه 2019

ما أفلح قوم...

رائدات الفضاء الأميركيات، كريستينيا كوخ ونيك هيغ وأن ماكلاين في بزات الفضاء قبل توجههن برحلتهن الأولى في الفضاء

سناء العاجي/

المرأة لا تستطيع أن تتولى شؤون الحكم، لأن لها بعض الفترات في الشهر يتغير فيها مزاجها ولا تستطيع أن تكون بكامل مقدراتها العقلية. كما أنها ناقصة عقل (بحيث تتحكم فيها العاطفة) وناقصة دين (بحيث لا تصلي ولا تصوم خلال فترات الحيض ـ رغم أن هذا الأمر فيه نقاش، لأن هناك روايات لعائشة تقول إن زوجات الرسول كن يصلين ويصمن خلال فترة الحيض).

نفس الذي يكتب هذا الكلام، ستجده يتغنى إعجابا برئيسة كرواتيا أو برئيسة الوزراء النيوزيلاندية أو بالمستشارة الألمانية... علما أن هؤلاء نماذج فقط! آلاف النساء عبر العالم، بمن فيهن نساء في الدول ذات الأغلبية المسلمة، أثبتن جدارتهن السياسية أو المهنية في القضاء وتسيير الشركات والطب والمحاماة والهندسة والإعلام وغيرها.

لكننا ما زلنا مصرين على التشبث بحديث آحاد مفاده أن لن يفلح قوم ولوا أمرهم لامرأة. علما أن ألمانيا وبريطانيا ونيوزيلاندا وكرواتيا والأرجنتين وتشيلي والبرازيل وأستراليا وفنلندا وغيرها من الدول التي ترأستها أو قادت حكوماتها نساء منتخبات، أفلحت أكثر من معظم دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط التي تؤمن بأن المرأة لا تستطيع القيادة، إذ تغلب عليها العاطفة!

قالت سيمون دوبوفوار ذات زمن: "نحن لا نولد نساء... بل نصير نساء"

كما أننا نستطيع أن نتساءل ببساطة كيف كانت خديجة، زوجة الرسول الأولى، تدير أعمالها ومشاريعها كأي امرأة أعمال بلغة اليوم، وكانت تشغل النساء والرجال (حيث شغلت الرسول نفسه عندها، قبل أن تخطبه لنفسها وتتزوجه وقبل أن يصير نبيا).

إحدى مشكلاتنا الأساسية أننا لا نسائل الموروث الثقافي والديني على ضوء تطور المعطيات الديمغرافية والسوسيواقتصادية. اليوم، عبر العالم، هناك نساء كثيرات يسيّرن وزارات وحكومات؛ ونساء أكثر يتقلدن مناصب المسؤولية على رأس مؤسسات حكومية وخصوصية كبيرة؛ أو على رأس مؤسسات دولية (رئيسة مركز النقد الدولي حاليا، كمثال)؛ ونساء بمئات الآلاف يشتغلن كمحاميات وقاضيات وطبيبات ومهندسات مسؤولات عن حيوات الملايين وعن تطبيق العدالة وتصميم المشاريع. كما أن هناك الملايين من النساء عبر العالم ممن يعلن بمفردهن أسرا كاملة... فهل نسمح للواقع بأن يغير شيئا من مسلماتنا؟

ثم، وهذا هو الأساسي، هل نستطيع أن نفرق في يوم من الأيام بين "قوانين الطبيعة" وبين موروثنا الثقافي؟ هل نستطيع أن نزعزع بعض قناعاتنا ومسلماتنا لنفصل بين ما نعتقده "طبيعيا" و"بيولوجيا" وبين الواقع الطبيعي أو الديمغرافي أو العلمي أو الاجتماعي أو الاقتصادي؟

هناك نساء لا تتوفر لديهن الكفاءة المهنية أو الذاتية لتحمل مسؤوليات معينة. هذا صحيح... تماما كما أن هناك رجالا بنفس المواصفات! الأمر لا يتعلق بتكوين بيولوجي، بل بقدرات شخصية لكل فرد؛ ثم بتنشئة اجتماعية تطور مجموعة من التصورات عن قدرات هذا وذاك.

ما زلنا مصرين على التشبث بحديث آحاد مفاده أن لن يفلح قوم ولوا أمرهم لامرأة

لهذا بالذات قالت سيمون دوبوفوار ذات زمن: "نحن لا نولد نساء... بل نصير نساء". الكارثة هي حين تترسخ لدى عدد من الأفراد القناعة الدينية (التي تتحول تدريجيا لقناعة يعتقد البعض أنها طبيعية وبيولوجية) بأن "ما أفلح قوم ولوا أمرهم لامرأة"، وهو نفسه معجب بحاكمات غربيات يحققن الإنجاز تلو الإنجاز. وكأن "حقيقته الطبيعية والبيولوجية" بخصوص النساء تنطبق حصريا على عالمه ذي الأغلبية المسلمة! فأين قوانين الطبيعة والبيولوجيا هنا، وهو يصفق لميركل وغيرها؟

ببساطة لأن التنشئة الاجتماعية تساهم في بلورة تصوراتنا عن "الدور الطبيعي" للمرأة وقدراتها و"تأثير العاطفة عليها". تنشئة اجتماعية نتناقلها عبر الخطاب الديني، لكن أيضا عبر الإعلام والمقررات المدرسية وخطاب الأهالي وغيرها... فتترسخ لدينا قناعات معينة تصير مع تعاقب الأجيال مسلمات و"حقائق". حتى حين تعاكس المعطيات العلمية والواقعية تلك التصورات، تصعب علينا مساءلتها.

الحقيقة أننا نحتاج اليوم لتطوير خطاب جديد مفاده أن لن يفلح قوم لا يزعزعون قناعاتهم ومسلماتهم بالأسئلة المستفزة وبتحديات المعرفة!

اقرأ للكاتبة أيضا: في المثلية والبيدوفيليا والاغتصاب الزوجي

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

نساء سوريات يحيين اليوم العالمي للمرأة

كوليت بهنا/

ما إن نشرت إحدى السيدات السوريات صورتها على "فيسبوك"، انهالت عليها التعليقات المسيئة التي تطعن في شرفها وأخلاقها، ولم تكتف بعض التعليقات بالإساءات الشخصية، بل نُسخت صورتها وتم تبادلها على بعض الصفحات، ليرتفع عدد التعليقات المسيئة خلال دقائق إلى الآلاف.

سبب هذا الاعتداء اللفظي الصارخ على السيدة، هو صورتها الجديدة التي أعلنت فيها تخليها عن الحجاب، وهي سيدة شابة ومتزوجة، هربت قبل ثمان سنوات مع عائلتها إلى مدينة أورفا التركية، تحمل شهادة الماجستير في الرياضيات وتعمل كأستاذة في عدد من المدارس، وتعطي دروسا خاصة مجانية للطلاب في عدد من مخيمات اللاجئين، إضافة إلى نشاطها المشهود له في مواكبة عمليات الإغاثة وتقديم كل أشكال الدعم النفسي والمعنوي لأبناء بلدها في الخارج، وبدت في الصورة التي نشرتها بدون حجاب، ترتدي ملابس محتشمة، وقد علقت ببهجة واضحة إن شعرها يرى الشمس للمرة الأولى.

هناك ظلم تدفع ثمنه النساء مهما فعلن، بمنعهن من حق التعبير والاختيار

كل ما تقدم من مواصفات حميدة ارتبطت بهذه الشابة طوال السنوات الماضية، أسقطه المعلقون المسيؤون الذين يعيشون بمجموعهم بين تركيا ودول اللجوء الغربية، ومحوا تاريخها المضيء وكأنه لم يكن، واتهموها بدم بارد بالانحراف والانحلال الأخلاقي الذي يعيشه الغرب، ومنه تركيا العلمانية، واعتبروها مشاركة مضلَّلة وفاسدة في حملة الغرب الصليبية الجديدة ضد الإسلام وحجاب المرأة. لم يكتفوا بما تقدم، بل توعدوا بقصاصها أشد قصاص، وشنوا هجوما أكثر شراسة على زوجها وأهلها وكل أقاربها.

قبل عامين أيضا، تخلت سيدتان سوريتان عن حجابيهما، الأولى في السويد والثانية في ألمانيا؛ وبدورهما، تحمل كل منهما شهادة دراسية عليا، وتعملان كناشطتين نسويتين مع عدد من منظمات المجتمع المدني وتقومان بتقديم كل أشكال الدعم للاجئين، وتعرضتا، ولا تزالان تتعرضان، إلى هجمات إلكترونية مسيئة تتوعد قصاصهما، وتطعن في شرفيهما، وتنكل بهما أشد تنكيل معنوي مستمر.

تنتمي الشابات الثلاث إلى خلفيات أسرية عريقة معروفة وبيئات اجتماعية سورية مختلفة، وهي مجتمعات، وإن اختلفت بالجغرافيا، إلا أنها لا تختلف بالأعراف والتقاليد الاجتماعية إلا بنسب متفاوتة. ويعتبر حجاب المرأة فيها جزءا أصيلا لا يتجزأ من النسيج الديني والاجتماعي.

عن الانتماء لهذه البيئة، تشرح الشابة الأولى القادمة من مدينة دير الزور، بأنها وضعت الحجاب في سن صغيرة عن دون قناعة، لكن أيضا بدون إكراه، وببساطة تفسر حجابها بأنه سلوك اجتماعي يتماهى مع احترام أهلها للتقاليد الاجتماعية العامة، أما اليوم فهي تعيش في بيئة مختلفة طورت وعيها السياسي وقناعاتها بالعلمانية، وأقنعت زوجها وأهلها دون صدام، مؤكدة إنها ما زالت تمارس شعائر الدين الإسلامي الذي تجلّه وتحترمه كمسلمة مؤمنة، دون أن تجد أن قطعة القماش التي تغطي رأسها هي التعبير أو الدليل الدامغ على تدينها. وختمت أن جوهر ما أقدمت عليه، هو مشاعرها الإيجابية بتمكنها من ممارسة حرية التعبير واختيار شكل الحياة التي تريدها.

تخلع النقاب بعد تحرير منبج من داعش
تخلع النقاب بعد تحرير منبج من داعش

فيما خلصت الشابة التي تعيش في فرنسا وتعمل كناشطة سياسية في مجال حقوق الإنسان، وحقوق النساء السياسية منها بشكل خاص، بأن تخليها عن الحجاب الذي فرض عليها بالعنف، ثورة اجتماعية مرادفة لا تقل أهمية عن ثورتها العامة، وبأنها بحكم انتمائها إلى ريف دمشق المتعصب، ناضلت ولا تزال ضد كل أشكال الاستبداد، والسعي إلى حرية التعبير والاختيار الذي يتضمن الحرية الدينية.

أما السيدة الثالثة التي تنتمي إلى بيئة مدينة درعا وتعيش اليوم في ألمانيا، ورغم أنها لم تحد كثيرا عن رأي زميلتيها، إلا أنها أوضحت بصراحة أكبر إنها تعيش في مدينة تنشط فيها جماعات اليمين الألماني المتطرف، وتشعر دوما بنظرات العداء والكراهية لحجابها وعائلتها، وأرادت أن تتخلص من الشعور الدائم بالخوف وتبدي اندماجا شكليا في المجتمع الذي فرض عليها بسبب واقع اللجوء.

تنوعت المجتمعات البشرية بعاداتها وتقاليدها منذ بدء نشوئها، اندثر بعضها لأسباب مختلفة، فيما حافظت العديد منها على تقليد الزي الخاص بها، مما شكل جزءا من هويتها العرقية أو الدينية أو الفلكلورية المتميزة عبر مئات السنين. تنوعٌ كان ولا يزال يعزز مفهوم وحق الاختلاف الإيجابي، ويمنح اللوحة البشرية الفسيفسائية بعدا أكثر نبلا وجمالية.

لا يخرج الحجاب، باختلاف أشكاله وبيئاته، عن هذا التنوع العالمي بصفته بات رمزا يخص هوية مسلمات العالم الدينية، لكنه، وبشكل استثنائي وحاد، لا يزال الاقتراب من النقاش بشأنه إشكاليا، ويمنع أو يحرم الحديث عنه مثل "تابو" لدى الأغلبية المسلمة، رغم أن مجتمعات مشرقية دينية قبل الإسلام، ارتدت نساؤها شكلا من أشكال الحجاب بصفته زيا تقليديا واجتماعيا أكثر مما هو ديني، أو قبل أن يتحول إلى زي يشير إلى هوية دينية، ولا يخلق الحديث بشأنها حساسيات كتلك التي تحدث لدى المسلمين.

حرية التعبير والاختيار المعززتان بالوعي الذاتي، هما البوصلة المفتقدة

في الوقت ذاته، يتعرض مفهوم الحجاب وصاحباته من الجانب المناهض له، بصفته رمزا يشير إلى الهوية الدينية الإسلامية، إلى ممارسات عنصرية ورؤية بغيضة لا تخرج عن مفهوم "الإسلاموفوبيا" المنتشر في السنوات الأخيرة، والذي تدفع المحجبات في مواجهاتهن اليومية والمستمرة له أثمانا معنوية ظالمة، ويتعرضن لكل أشكال التمييز والتعسف والكراهية العابرة للقارات.

في الحالتين، هناك ظلم تدفع ثمنه النساء مهما فعلن، بمنعهن من حق التعبير والاختيار واحترام هذا الحق من جميع الأطراف، وهو ملخص ما عانت منه السيدات الثلاث وأردن أن يوصلنه بشجاعة، بحيث تصير حرية التعبير والاختيار المعززتان بالوعي الذاتي، هما البوصلة المفتقدة، دون إكراه أو تعنيف، في أية حالة يرغبن بها، وأينما كانت البيئة التي يعشنها، وأيا كانت القضية.

اقرأ للكاتبة أيضا: شيخ وقور بمعطف طويل يؤدي النشيد الأميركي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG