رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

السبت 27 يوليه 2019

ناشتطان مغربيتان تستبدلان اسم أحد الشوارع خلال حملة لاستبدال أسماء الشوارع بأسماء نساء مغربيات معروفات

سناء العاجي/

• لا للعنف ضد النساء...

• وماذا عن أشكال العنف ضد الرجال؟

• لا للتحرش الجنسي ضد النساء...

• وماذا عن تحرش النساء بالرجال؟

في العديد من النقاشات عن التحرش وعن العنف الذي تعاني منه النساء عبر العالم، يحدث كثيرا أن يخرج أحد المشاركين في النقاش ليطرح الاعتراضات أعلاه.

لنتفق بداية على أمر مبدئي: كل أشكال العنف والتحرش مرفوضة (علما أن التحرش هو في حد ذاته أحد أشكال العنف)، سواء كان الضحية رجلا أو امرأة؛ طفلا أو راشدا.

لكن في الوقت نفسه، فنحن سنكون بعيدين جدا عن الموضوعية إذا وضعنا على المستوى عينه، أشكال العنف التي تعاني منها النساء، مع تلك التي يعاني منها الرجال.

الدفاع عن مواجهة ظاهرة العنف ضد النساء، لا يعني تشجيع العنف ضد الرجال

في بلجيكا، بين سنتي 2017 و2018، كان عدد النساء المقتولات بسبب العنف من طرف الأزواج أكثر من عدد القتلى ضحايا الإرهاب! في فرنسا، 12 في المئة من حالات العنف يكون ضحيتها رجال، مقابل 88 في المئة من الحالات التي تكون ضحيتها امرأة تعرضت للعنف من طرف أحد أقاربها الذكور! هذا في بلدان توجد فيها العديد من الضمانات الحقوقية والقانونية ومؤسسات الحماية لصالح النساء ضحايا العنف، فهل يمكننا أن نتخيل الواقع في المغرب ومصر والسعودية واليمن وغيرها من بلدان المنطقة؟

لنعد إلى مثال فرنسا، حيث 12 في المئة من حالات العنف، تعود للرجال ضحايا العنف. من المؤكد أن هذه النسبة مدانة، إذ ليس من المعقول أن نقبل بأي شكل من أشكال العنف. لكن في الوقت نفسه، هل من الموضوعية أن نضع على نفس المستوى ظاهرة العنف ضد النساء التي، في هذه الحالة، 88 في المئة من حالات العنف، مع ظاهرة العنف ضد الرجال، والتي تمثل نسبة 12 في المئة؟

في الأسابيع الأخيرة، انتشرت على المواقع المغربية قرابة عشرة مقاطع فيديو تصور أشكالا من العنف والسادية ضد النساء والأطفال، من حالات قتل واغتصاب وتعذيب... بغض النظر عن نقاش نشر المحتوى العنيف على الإنترنيت وحاجتنا الملحة اليوم لمناقشته لما له من تداعيات، علينا أن ننتبه إلى أن معظم ضحايا هذه الحالات من العنف والسادية، كانت من الأطفال والنساء.

هذا الحالات، على مأساويتها، هي في حد ذاتها رد على كثيرين، في المغرب وخارجه، ممن يبخسون ظاهرة العنف ضد النساء ويعتبرونها مجرد مبالغة من طرف "حركات نسوية متطرفة".

من جهة أخرى، علينا أن نتوقف عن الاعتراض على التطرق لظاهرة معينة، بحجة وجود ظواهر أخرى سلبية. لا يمكننا أن نلوم شخصا يختار الكتابة أو النضال ميدانيا من أجل قضية معينة (العنف ضد النساء، مطلب المساواة في الإرث، العلمانية، الاعتداءات الجنسية على الأطفال، الحريات الدينية، إلخ) بحجة وجود ظواهر أخرى.

من حق أي فاعل (ناشط) أن يختار الميدان الذي يود أن يركز اهتمامه عليه. هل مثلا نسأل مشجع فريق كرة قدم معين، لماذا يركز على هذا الفريق وينسى كرة السلة والبولينغ والتزحلق على الجليد؟

كذلك، فالدفاع مثلا عن مواجهة ظاهرة العنف ضد النساء، لا يعني تشجيع العنف ضد الرجال، لأن كل أشكال العنف مرفوضة.

من العبث والظلم أن نلوم شخصا يتحدث عن العنف ضد النساء، بحجة أنه لم يتطرق في نفس الوقت للعنف ضد الرجال أو لظاهرة التصحر وتلوث المياه والغابات والفقر والبطالة والأنظمة المستبدة و... و...

يمكننا، والحالة هذه، أن نلومه في نفس الوقت، مثلا، على كونه لم يتطرق للإبادة التي تتعرض لها حاليا أشجار غابة الأمازون ولخطر انقراض طيور البطريق في القطب المتجمد الجنوبي (وهي ظواهر حقيقة، للأسف)!

علينا أن نتوقف عن الاعتراض على التطرق لظاهرة معينة، بحجة وجود ظواهر أخرى سلبية

ببساطة، لأن لكل شخص ميادين اهتمامه التي يختارها لأسباب تخصه. يمكننا أن نتابع تلك المواضيع أو أن نشتغل بدورنا على قضايا أخرى تبدو لنا، من وجهة نظرنا، أكثر أهمية...

هذا علما أن شخصا معينا أو منبرا إعلاميا ما، قد يكون رافضا لاجتثاث أشجار غابة الأمازون وللعنف ضد النساء ولتزويج القاصرات ولختان البنات ولتزوير الانتخابات وغيرها من الظواهر السلبية، لكنه ببساطة يخصص كل مداخلة (مقال، بوست، تغريدة، مشاركة تلفزيونية...) لموضوع معين.

لكنه، في النهاية، يعبر عن موقف واضح اتجاه ظاهرة أو غيرها... بينما البعض الآخر يكتفي بالتبخيس من مجهوداته بحجة أن هناك مواضيع أخرى لم يتطرق لها!

اقرأ للكاتبة أيضا: ما أفلح قوم...

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

د. ابتهال الخطيب/

الفقر وقح، كريه، يفحّ كأنه حية، يفوح كأنه عفن طازج، يطفح كأنه مجاري مدينة مزدحمة. الفقر مفسدة طبيعية يصعب أن يصاحبها الأخلاق، فالفقر ينخر الروح، يوحشها، حتى لا يبقى منها سوى "مود" البقاء، غريزة الاستمرار على قيد الحياة، مما يقضي معه على كل عرف أخلاقي أو مذهب مبدئي بسيط ظاهر. فالأخلاق والمبادئ الظاهرة البسيطة هي رفاهية الأغنياء، يملكون ثمنها فيمارسونها، أما الفقراء، فلا يملكون ثمن هذه الأخلاق والمبادئ، وبالكاد يتحصلون على ثمن عند بيعها.

الفقر مسؤولية الأغنياء، وضياع القيم الأخلاقية تحت مظلته إثمهم، فهم احتكروا المنظومة الأخلاقية البسيطة بنفوذهم وأموالهم ليبدوا دائما نظيفي اليد، كرماء، ذوي أشكال لطيفة وأحيانا نفوس عطوفة، متبرعين لذوي الحاجة، أحيانا باذخين للمبرات والمؤسسات الخيرية، ولم لا، هم يملكون ثمن كل ذلك.

الغني يموت تخمة والفقير يموت جوعا وهذا هو ديدن الحياة

أما المنظومة الأخلاقية الأعمق، فتلك تتشرذم تحت سنون آلاتهم، هذه السنون التي تهرس وتطحن الأرواح والأجساد لتصنع الأموال الهائلة والإمبراطوريات المهيبة. يقع الفقير إن مد يده على رغيف ليس له تحت طائلة القانون، نسميه لصا، أما الإمبراطور الذي يغسل الأموال ويسرق الملايين ويطحن الآلاف من الفقراء تحت ماكينته الرأسمالية التي لا ترحم، فهذا اسمه... تاجر.

والفقر هو أسوء روايات القدر، هو الدليل القاطع على النظرية الداروينية التي يلفظها عالمنا العربي المسكين خوفا من اهتزاز عقيدته، فتجده يناضل ويكافح لطرد النظرية من عند عتبات العقل، دون تدبر أو قراءة أو إطلاع، هذه النظرية التي هي اليوم الأرجح والأكثر قوة وتأثيرا في دنيا العلم وخصوصا العلوم البيولوجية والأنثروبيولوجية.

فإذا ما لم تكن كل الآثار والبقايا الإنسانية والماقبل إنسانية من نيانديرثال وهوموإيراكتوس وهوموهابيليس وأثيوبيكوس وغيرها والموجودة في متاحف التاريخ الطبيعي حول العالم دليلا على صحة وروعة النظرية الداروينة للتطور، أفلا يكون الفقر البشع دليلا عليها؟

يقول ريتشارد دوكينز عالم البيولوجيا الشهير إننا لربما تطورنا في الحياة عن طريق النظرية الداروينية، إلا أننا وبكل تأكيد غير مضطرين للعيش في مجتمع دارويني، لسنا ملزمين بأن نحيا في غابة البقاء فيها للأقوى أو الأصلح، يمكن لنا بتطور حسنا الإنساني وضمائرنا وأنماطنا الأخلاقية أن نرفض الغابة الداروينية التي نشأنا منها وأن نطورها إلى مروج رحيمة ضمائرية يساعد فيها القوي الضعيف.

في بعض الأماكن المتطورة من هذه الكرة الأرضية، مثل الدول الإسكندنافية، هناك محاولات حقيقية لتحويل المجتمع من مجتمع "رعي جائر" على الحقوق إلى مجتمع متطور الوعي والثقافة الإنسانية، مجتمع يترجى أكثر من مجرد البقاء البحت إلى البقاء الشريف الأخلاقي، والذي من أجل تحقيقه يتعاون الجميع متغلبين على خلافاتهم واختلافاتهم وأطماعهم الطبيعية.

الفقر هو أسوء روايات القدر، هو الدليل القاطع على النظرية الداروينية

أما في الأجزاء الأخرى الأكثر انتشارا من هذه الدنيا، في مناطق الفقر الضمائري والعوز الأخلاقي والتسابق من أجل البقاء ولو دعسا على أرواح الآخرين، تتجلى أبشع صور النظرية الداروينية، حيث وبمنطق الاختيار الطبيعي الذي تقوم عليه تلك النظرية، يستمر الغني ابن الغني في الحياة، يتحصل على تعليم أفضل، طبابة أكثر تطورا، أماكن عيش أكثر أمنا وصحية، درجات أكبر من السعادة وراحة البال.

ينمو هذا الإنسان، كما تقول النظرية الطبيعية الناتجة عن النظرية الواقعية والمتأثرة جدا بالنظرية الداروينية، باتجاه واحد مجبر عليه بحكم إرثه الجيني ومحيطه وفرصه التي ستعطيها له الحياة، وهو اتجاه حياة أكثر راحة وأكثر متعة.

الفقير المعوز، تخبره ذات النظرية الطبيعية أنه سيعيش فقيرا ويموت فقيرا، سيمتلئ بالأمراض وستعبئ روحه بالبؤس وسيفنى مقهورا بلا أدنى فرصة في نوعية ثانية من الحياة.

صورة الفقر البشع تُحفر عميقا في نفس كل من يراها لو كان يمتلك المقدار الأدنى من الضمير الإنساني ومن الغريزة البيولوجية للتواصل والتعاطف وحفظ النوع. لا أنسى المشاهد أبدا، حين اصطحبني والدي شابة صغيرة لمنطقة الدويقة، أفقر أحياء مصر، وألزمني النزول من السيارة والمشي في أحد أزقتها، حين أصر أن يأخذني لمقابر القاهرة لآكل قرص الخبز مع أهلها الأحياء وأقرأ الفاتحة على أهلها الأموات. لا أنسى أسى لاجئي طرابلس مع بداية النزوح السوري، حيث قمنا بعمل زيارة تسليط ضوء إعلامي على الكارثة مع حملة ليان الخيرية؛ لا تغيب وجوههم وأطفالهم، يعيشون في مبان مهجورة وأحيانا في مقالب الزبالة، يلاحقنا الأطفال حين يحين موعد مغادرتنا للسيارة سلاما لا نعرف أنراهم من بعد ذلك اليوم أم سيقتلهم الشتاء القارس القادم.

الفقر مسؤولية الأغنياء، وضياع القيم الأخلاقية تحت مظلته إثمهم

وماذا عن عذابات أطفال اليمن وهم يموتون في القرن الواحد والعشرين من الكوليرا؟ ماذا عن مهجري الروهينغا الذين تعد كارثتهم أحد أبشع الكوارث الإنسانية؟ ماذا عن الغرقى الذي ملأواالبحر الأبيض بحثا عن فرصة أفضل؟ ماذا عن صورة إيلان، صورة عمران، صورة محمد الدرة، صور تعلوها نجاسات سياسية، ويختبئ خلفها فقر مدقع، وتنبعث منها الروح الداروينية لجنسنا الغريب؟

هي صورة أخيرة تجمع كل مآسي الدنيا وتثبت بالدليل القاطع لكل متشكك صحة النظرية الداروينية، هي لقطة قتل صاحبها نفسه بعد سنة من التقاطها لبشاعتها، أو لبشاعة شكلنا الإنساني فيها، هي تلك التي التقطها كيفن كارتر لطفل من سودان المجاعة لسنة 1993 والذي انهار (أي الطفل) بعد زحف أميال طويلة ليصل لأحد مراكز الإطعام. في الصورة يبدو الطفل ركاما صغيرا منهارا من العظام، يقف خلفه نسرا ينتظره يموت حتى ينقض عليه. شيء من بقايا أطعمتنا التي نرميها كل يوم كانت لتنقذ هذا الطفل وآلاف غيره، لكننا لا نفعل، لأن الغني يموت تخمة والفقير يموت جوعا وهذا هو ديدن الحياة، وتكذبون داروين؟

اقرأ للكاتبة أيضا: كبرت كثيرا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG