رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الأحد 28 يوليه 2019

رحلة إلى ليبيا

الممثل ساشا بارون كوهن في فيلم The Dictator

رياض عصمت/

ندرة نادرة من الناس تصنع التاريخ. أما أغلبية الناس، فالتاريخ يصنعهم. أفتت الوجودية بأن الإنسان حر، لكن جان بول سارتر أصر على ربط الحرية بالمسؤولية. بالتالي، أكدت الوجودية أهمية الالتزام، لأن الاختيار الحر يحرر الإنسان من تخطيط القدر، ويجعله عرضة للمحاسبة على قراراته.

بالمقابل، روجت نظريات أخرى متناقضة الاتجاهات والمسارات والأهداف لأن يصبح الإلزام بديلا عن الالتزام، أي أنها أملت واجب الطاعة العمياء لزعيم أوحد أو حزب حاكم أو رمز مقدس، لا تجوز معارضته أو محاسبته أبدا، وإلا وصم المعارضون بالخيانة، واستحقوا أقصى درجات العقاب.

في كثير من الأحيان، يبدأ بعض قادة الأحزاب الحاكمة متواضعين، يرغبون في صنع التاريخ بانعطافهم بعيدا عن سياسات أسلافهم، ساعين لأن يسجل المستقبل أسماءهم بعد الرحيل بأحرف من ذهب. المفاجئ أن بعض أولئك الزعماء ينساق تدريجيا لإغراء إحياء تاريخ قديم يكرس تقديس القائد الخالد إلى الأبد. كان أحد أبرز هذه الرموز في العصر الحديث التي حكمت أكثر من 42 سنة هو معمر القذافي، الذي هدد بملاحقة الثوار "زنقة.. ونقة"، فانتهى مقتولا بطريقة شنيعة.

انتصب فوق رأسي عنصر مخابرات ليبي أخذ يتوعدني بالاعتقال إذا لم أغادر مكاني فورا وأبتعد عن الأجانب

لا بد لي أولا من الثناء على إبداعات عدة أدباء ليبيين أعتبرهم من أعمدة الثقافة العربية المعاصرة، ومنهم إبراهيم الكوني، أحمد إبراهيم الفقيه، خليفة التليسي ووفاء البوعيسي. لا بد من الإشادة أيضا ببعض من عرفتهم عن كثب من الدبلوماسيين الليبيين، الذين كانوا على درجة عالية من الحس القومي واللباقة الاجتماعية، مما جعل الحوار معهم بناء وودودا. دعي عديد من الأدباء العرب إلى ليبيا لتقريظ "الكتاب الأخضر"، الذي سمي "النظرية العالمية الثالثة،" وأشاد بعضهم عن حسن نية بالصراحة الصادقة أحيانا في كلام القذافي، الذي وصف بأنه "يفش القلب"، مغفلين أنه كان متناقضا مع المآسي الكامنة تحت سطح ممارسات اللجان الشعبية، المتسمة بقمع حرية التعبير، وسياسات التدخل ذي السمة الإرهابية في شؤون دول أخرى.

في جميع تصرفاته، كان القذافي يتسم بالطرافة والغرابة. مرة، كنا نراه ينصب خيمة هائلة في العواصم الأوروبية التي يزورها ويجلب الجمال إليها، ومرة يقحم ليبيا عسكريا في أوغندا وكأنه ملكها غير المتوج، ومرة يجيز تفجير طائرة ركاب أميركية فوق قرية "لوكربي" السكوتلندية، ومرة يمول أنشطة الجيش الجمهوري الآيرلندي، هكذا وصولا إلى فضائح أخلاقية استبدادية متعددة لم يكشف النقاب عنها إلا بعد سقوط القذافي، مما دفع الممثل ساشا بارون كوهن للتهكم عليه ببذاءة مقذعة في فيلم "الديكتاتور" (2012).

في عام 1974، قمت بزيارتي الوحيدة إلى ليبيا للمشاركة في "مهرجان الشباب العربي". ما إن حطت الطائرة بنا على أرض المطار، حتى أركبونا في حافلات كقطيع من الخراف، واقتادونا إلى معسكر يقع خارج العاصمة. كانت وسيلة النقل الوحيدة المتاحة هي الحافلات، التي لم يكن ممكنا التحرك خارج المعسكر بسواها. لذا، فرحنا فرحا شديدا عندما دعونا إلى جولة سياحية في أرجاء طرابلس. سرعان ما تغير الشعور من الدقائق الأولى إلى نقيضه، إذ انتصب مرافق بجانب السائق ممسكا بميكروفون، وأخذ يصدع رؤوسنا طوال وقت الرحلة الطويلة بخطبة عصماء عن إنجازات الأخ القائد الثورية.

ما لبث المرافق، بعد أن شعر بالملل يتزايد على وجوه الشباب العرب من مختلف الأقطار لدرجة تنذر بالانفجار، أن تنازل عن الميكروفون طوعا لزميلة ليبية، ووعدنا بأنها ستغني لنا أغنية جميلة. تنفسنا الصعداء لأن وصلة من الطرب لا بد ستخفف من عذابات الإنصات لخطابه الدعائي الصارخ. صدحت المرافقة بالغناء، فإذا بصوتها يخرش آذاننا بأغنية تمجد القائد الذي يتماهى الوطن مع شخصه.

في جميع تصرفاته، كان القذافي يتسم بالطرافة والغرابة

وصلنا إلى طرابلس أخيرا، فطلبت وزميلي من السائق أن يفتح الباب وينزلنا لنقوم بجولة على راحتنا، ونعود بتكسي إلى المعسكر. رمقنا المرافق بنظرة لائمة كأننا نطقنا بكفر مبين، وقال: "ممنوع. لا يغادر أحد المعسكر ويعود إليه إلا بحافلاتنا الرسمية حصرا". حاولنا مجادلته، لكنه أوعز بصرامة إلى السائق ألا يفتح الباب، بل ينطلق في طريقه دون مبالاة بمشاعرنا. لأول مرة في حياتي، شعرت بأنني معتقل لا يملك من حريته شيئا.

انصعنا لأوامر المرافق على مضض، واكتفينا بأن تنقلنا الحافلات كل يوم إلى مباريات الفرق السورية في الملاعب، ثم تعيدنا في أوقات محددة. ذات مرة، بينما كان وفدنا يلج أحد الملاعب لحضور مباراة لفريق الفتيات السوريات، هجم بعض المنظمين ناهين الجميع بغلظة عن اختلاط الإناث بالذكور، وفصلوهن بالقوة عنا وأجلسوهن في مكان بعيد رغم محاولتنا اليائسة لأن نوضح لهم أن ذلك ليس من تقاليد بلدنا.

في ليلة الاحتفال بالفنون الشعبية السورية، آثرت أن أبتعد مع زميلين عن زميلاتنا من راقصات الدبكة والسماح تجنبا لوجع الرأس، واخترنا الجلوس في البلكون العلوي الفارغ نسبيا من الجمهور، في حين امتلأت الصالة إلى أقصاها.

ما أن مضى زمن قصير، حتى انضم إلينا وفد أميركي بنسائه ورجاله، وجلس في الصفين الأماميين أمامنا. بدأت الرقصات والأغاني الفولكلورية السورية تتالى على المسرح، فتلفتت بعض السيدات الأميركيات مناشدات أن يشرح أحد لهن ولعائلاتهن ما يشاهدون على خشبة المسرح. حثني الزميلان على التطوع لتلك المهمة نظراً لإتقاني اللغة الإنكليزية، بينما ألح أعضاء الوفد الأميركي رجالا ونساء أن أنتقل من مكاني لأجلس بينهم وأترجم لهم معاني الأغاني والرقصات الشعبية، فلبيت بكل سرور.

ما أن مضت بضع دقائق على شرحي لهم عن المحافظات التي تمثلها الأغاني والرقصات السورية المتنوعة، حتى انتصب فوق رأسي عنصر مخابرات ليبي أخذ يتوعدني بالاعتقال إذا لم أغادر مكاني فورا وأبتعد عن الأجانب. لم أحرك ساكنا، ليس بسبب الشجاعة، بل لأن الموقف عقد لساني، فجمدت في مقعدي من الدهشة. تأملته ببرود تام وهو يلوح بذراعيه، ورذاذ بصاقه يتطاير فوق رؤوسنا جميعا، وهو يهددني بالانتقام مني واعتقالي مباشرة عقب انتهاء الحفل السوري.

حاول زميلاي التدخل متوسطين، فنهرهما بعنف وشراسة. همست لي السيدة الأميركية التي كنت أجلس بجوارها ألا أكترث لتهديده وأتابع الشرح، لأنني لم أرتكب أي ذنب. تابعت الترجمة، فانتفض المخبر غاضبا واختفى كأنه فص ملح وذاب.

قضيت تلك الليلة والكوابيس تداهمني عن خفافيش الظلام وهي تخطفني وتودعني قبوا لا يرى الشمس

أعترف أن قلبي أخذ يخفق بشدة حتى شعرت أن سيقفز خارج صدري، لأن المخبر إذا جلب عناصره واعتقلني، لن يستطيع أحد منعه ولن يُعرف مكاني قبل أن ألقى صنوفا من المهانة والعذاب، هذا إذا بقيت حيا.

خرجت من المسرح بعد انتهاء العرض متوجسا، وأحاط كل من زميلي بي من الجانبين كأنهما "بودي غاردز". لحسن الحظ ـ يبدو أن المخبر ورفاقه أضاعونا وسط الزحام، فعدنا سالمين لنأوي إلى معسكرنا النائي، لكنني قضيت تلك الليلة والكوابيس تداهمني عن خفافيش الظلام وهي تخطفني وتودعني قبوا لا يرى الشمس.

في صباح اليوم التالي، زف المرافقون لجميع الشباب العرب في المعسكر نبأ قيامنا برحلة إلى الطبيعة، حيث سيأتي القائد القذافي شخصيا لتحية الوفود المشاركة. بالفعل، انطلقت بنا الحافلات في الموعد المحدد، وعاد المرافق ليصدع رؤوسنا بخطاب حول إنجازات الثورة طيلة الطريق. أخيرا، أنزلتنا الحافلات في غابة، وقيل لنا إن طعام الغداء سيصلنا بعد قليل، ثم يتلو ذلك زيارة الأخ القائد. تسكعنا على أقدامنا زهاء ساعتين في العراء والحر الشديد. هب غبار شديد تضافر مع الحر الشديد في جعل رحلتنا تزداد معاناة.

أخيرا، وصل الغداء، فإذا به عبارة عن "قصعات" قوامها الأساسي مرقٌ باللحم. جلسنا القرفصاء في حلقات على التراب، وأخذ الغبار المتطاير يشكل طبقة على سطح غدائنا. دفعنا الجوع لالتهام ما نسد به رمقنا بعد طول انتظار، فإذا بالطعام مشبع بالبهارات الحارة. نهضنا باحثين بلهفة عن شربة ماء نطفئ بها لهيب التوابل، فلم نجد للماء أثرا، إذ لم يفكر المرافقون بإحضار ما يطفئ عطشنا. ظللنا ننتظر زيارة قائد البلاد للترحيب بنا، وفجأة دعانا المرافقون للصعود إلى الحافلات من أجل العودة إلى المعسكر. تساءلنا: "ولكن أين القائد القذافي؟ ألا يجدر بنا انتظاره؟" أجابونا: "جاء بطائرة هيلوكوبتر وذهب. ألم تشعروا بالغبار؟".

اقرأ للكاتب أيضا: المؤامرة مستمرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ناشتطان مغربيتان تستبدلان اسم أحد الشوارع خلال حملة لاستبدال أسماء الشوارع بأسماء نساء مغربيات معروفات

سناء العاجي/

• لا للعنف ضد النساء...

• وماذا عن أشكال العنف ضد الرجال؟

• لا للتحرش الجنسي ضد النساء...

• وماذا عن تحرش النساء بالرجال؟

في العديد من النقاشات عن التحرش وعن العنف الذي تعاني منه النساء عبر العالم، يحدث كثيرا أن يخرج أحد المشاركين في النقاش ليطرح الاعتراضات أعلاه.

لنتفق بداية على أمر مبدئي: كل أشكال العنف والتحرش مرفوضة (علما أن التحرش هو في حد ذاته أحد أشكال العنف)، سواء كان الضحية رجلا أو امرأة؛ طفلا أو راشدا.

لكن في الوقت نفسه، فنحن سنكون بعيدين جدا عن الموضوعية إذا وضعنا على المستوى عينه، أشكال العنف التي تعاني منها النساء، مع تلك التي يعاني منها الرجال.

الدفاع عن مواجهة ظاهرة العنف ضد النساء، لا يعني تشجيع العنف ضد الرجال

في بلجيكا، بين سنتي 2017 و2018، كان عدد النساء المقتولات بسبب العنف من طرف الأزواج أكثر من عدد القتلى ضحايا الإرهاب! في فرنسا، 12 في المئة من حالات العنف يكون ضحيتها رجال، مقابل 88 في المئة من الحالات التي تكون ضحيتها امرأة تعرضت للعنف من طرف أحد أقاربها الذكور! هذا في بلدان توجد فيها العديد من الضمانات الحقوقية والقانونية ومؤسسات الحماية لصالح النساء ضحايا العنف، فهل يمكننا أن نتخيل الواقع في المغرب ومصر والسعودية واليمن وغيرها من بلدان المنطقة؟

لنعد إلى مثال فرنسا، حيث 12 في المئة من حالات العنف، تعود للرجال ضحايا العنف. من المؤكد أن هذه النسبة مدانة، إذ ليس من المعقول أن نقبل بأي شكل من أشكال العنف. لكن في الوقت نفسه، هل من الموضوعية أن نضع على نفس المستوى ظاهرة العنف ضد النساء التي، في هذه الحالة، 88 في المئة من حالات العنف، مع ظاهرة العنف ضد الرجال، والتي تمثل نسبة 12 في المئة؟

في الأسابيع الأخيرة، انتشرت على المواقع المغربية قرابة عشرة مقاطع فيديو تصور أشكالا من العنف والسادية ضد النساء والأطفال، من حالات قتل واغتصاب وتعذيب... بغض النظر عن نقاش نشر المحتوى العنيف على الإنترنيت وحاجتنا الملحة اليوم لمناقشته لما له من تداعيات، علينا أن ننتبه إلى أن معظم ضحايا هذه الحالات من العنف والسادية، كانت من الأطفال والنساء.

هذا الحالات، على مأساويتها، هي في حد ذاتها رد على كثيرين، في المغرب وخارجه، ممن يبخسون ظاهرة العنف ضد النساء ويعتبرونها مجرد مبالغة من طرف "حركات نسوية متطرفة".

من جهة أخرى، علينا أن نتوقف عن الاعتراض على التطرق لظاهرة معينة، بحجة وجود ظواهر أخرى سلبية. لا يمكننا أن نلوم شخصا يختار الكتابة أو النضال ميدانيا من أجل قضية معينة (العنف ضد النساء، مطلب المساواة في الإرث، العلمانية، الاعتداءات الجنسية على الأطفال، الحريات الدينية، إلخ) بحجة وجود ظواهر أخرى.

من حق أي فاعل (ناشط) أن يختار الميدان الذي يود أن يركز اهتمامه عليه. هل مثلا نسأل مشجع فريق كرة قدم معين، لماذا يركز على هذا الفريق وينسى كرة السلة والبولينغ والتزحلق على الجليد؟

كذلك، فالدفاع مثلا عن مواجهة ظاهرة العنف ضد النساء، لا يعني تشجيع العنف ضد الرجال، لأن كل أشكال العنف مرفوضة.

من العبث والظلم أن نلوم شخصا يتحدث عن العنف ضد النساء، بحجة أنه لم يتطرق في نفس الوقت للعنف ضد الرجال أو لظاهرة التصحر وتلوث المياه والغابات والفقر والبطالة والأنظمة المستبدة و... و...

يمكننا، والحالة هذه، أن نلومه في نفس الوقت، مثلا، على كونه لم يتطرق للإبادة التي تتعرض لها حاليا أشجار غابة الأمازون ولخطر انقراض طيور البطريق في القطب المتجمد الجنوبي (وهي ظواهر حقيقة، للأسف)!

علينا أن نتوقف عن الاعتراض على التطرق لظاهرة معينة، بحجة وجود ظواهر أخرى سلبية

ببساطة، لأن لكل شخص ميادين اهتمامه التي يختارها لأسباب تخصه. يمكننا أن نتابع تلك المواضيع أو أن نشتغل بدورنا على قضايا أخرى تبدو لنا، من وجهة نظرنا، أكثر أهمية...

هذا علما أن شخصا معينا أو منبرا إعلاميا ما، قد يكون رافضا لاجتثاث أشجار غابة الأمازون وللعنف ضد النساء ولتزويج القاصرات ولختان البنات ولتزوير الانتخابات وغيرها من الظواهر السلبية، لكنه ببساطة يخصص كل مداخلة (مقال، بوست، تغريدة، مشاركة تلفزيونية...) لموضوع معين.

لكنه، في النهاية، يعبر عن موقف واضح اتجاه ظاهرة أو غيرها... بينما البعض الآخر يكتفي بالتبخيس من مجهوداته بحجة أن هناك مواضيع أخرى لم يتطرق لها!

اقرأ للكاتبة أيضا: ما أفلح قوم...

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG