رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الخميس 1 أغسطس 2019

تحملان علم تونس خلال تشييع الرئيس التونسي باجي قايد السبسي

سناء العاجي/

توفي الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، فانهالت على الإنترنت مئات التعليقات الشامتة من مشاهير الشيوخ السلفيين... بل وأيضا من طرف عموم الناس، ممن يتدثرون بالفكر السلفي والإخونجي.

منذ متى تحول الموت إلى موضوع شماتة؟ منذ متى فقد البعض إنسانيته حد الشماتة في موت شخص يختلف عنهم فكريا وأيديولوجيا؟

ثم، كل هؤلاء الشامتين في موته، هل كانوا مثلا يتوقعون أنه سيعيش مدى الحياة، كي يقدم له الدليل على أنه مصيب؟ ألا يفترض أن نموت جميعا، العلماني والإخواني والسلفي والسني والشيعي والهندوسي واللاديني والداعشي؟

الشماتة التي طغت على خطاباتهم، روجت لأفكار مغلوطة تترجم عدم فهم الإسلاميين لمفهوم الدولة المدنية

هذا علما أن الباجي قايد السبي مات في عمر يناهز 93 سنة، في حين أن أمد الحياة في تونس لا يتجاوز 76 سنة. بمعنى أنه عاش بصحة جيدة وبكامل قواه العقلية والبدنية، أكثر من متسوط عمر بقية التونسيين بمختلف أطيافهم وأعمارهم وتوجهاتهم الأيديولوجية. وهذا يعني أيضا أنه عاش أكثر مما سيعيشه الكثير ممن يشمتون في موته!

كما أنه، في مرضه الأخير، اختار أن يعالج في مستشفى تونسي حكومي ولم يتوجه إلى مستشفيات أوروبا وأميركا، ليتعالج لدى "الكفار"، كما يفعل العديد من حكام دول منطقتنا والعديد من مشاهير شيوخ السلفية.

بعض الشيوخ ذهبوا أبعد من الشماتة حين قدموا قراءة جديدة لحديث "اذكروا محاسن موتاكم"؛ حيث اعتبروه ببساطة... حديثا ضعيفا! لقد قرروا أنه ضعيف حتى يمنحوا لأنفسهم حق الشماتة والتعبير عن الكره في موت كل من يخالفهم الرأي!

هل هناك وحشية ولا إنسانية أكثر من هذه؟

علما أن هذا الأمر قد ينقلب عليهم غدا، لأنهم حتما سيموتون وقد يعتبر مخالفوهم في الرأي، من خارج وحتى من داخل المنظومة الإسلامية، بأن الحديث ضعيف وبأن من حقهم السخرية منهم والشماتة في موتهم!

بل، فلنفترض أنه فعلا حديث ضعيف (بالمناسبة، فاعتراف بعض الشيوخ بكون بعض الأحاديث ضعيفة يجعلهم يعترفون ضمنيا أن هناك أحاديثا لفقت للرسول بينما لم يقلها... لكن هذا موضوع آخر!)؛ ما الذي يمنعنا من الأخذ به ما دام يدعو لسلوك نبيل وإنساني؟ ماذا ينفعك تدينك إن لم يهذب أخلاقك ويطور فيك قيمك الإنسانية؟

لننتبه أيضا أنه، في كل حديث عن التطرف، يصرخ البعض بأن الإسلام بريء من الإرهاب والإرهابيين وأنه دين سلام. لكن واقع مواقف العديد من الإسلاميين تبين عن كمّ العنف الذي يسكنهم. عنف يصل حد الشماتة في أمر طبيعي حتمي سيعيشونه بأنفسهم، ألا وهو الموت.

هذا ليس كل شيء، لأن بعضهم قرر أن يأخذ مكان الله، فتخيلوا للرئيس التونسي الراحل أصنافا معينة من العذاب في جهنم. أليسوا بهكذا سلوك يأخذون مكان الله ويقررون في عقاب ومكافأة البشر؟

كما أن تلك الشماتة التي طغت على خطاباتهم، روجت لأفكار مغلوطة تترجم عدم فهم الإسلاميين لمفهوم الدولة المدنية.

في أحد خطاباته، كان قايد السبسي قد صرح بأن "لا علاقة لنا بالدين ولا بالقرآن ولا بالآيات القرآنية. نحن نتعامل مع الدستور الذي أحكامه آمرة، ونحن في دولة مدنية".

الشامتون ربطوا بين عبارته وبين تلاوة القرآن في وفاته قائلين: لماذا لم يقرؤوا له الدستور حين مات؟

واقع مواقف العديد من الإسلاميين تبين عن كمّ العنف الذي يسكنهم

هل يدرك كل هؤلاء الشامتين بأن كلام قايد السبسي وبأن مفهوم الدولة المدنية عموما لا يعني إلغاء الدين من حياة الأفراد؟ لا يعني منع الأفراد من صيام رمضان ومن الصلاة والحج وقراءة القرآن؟

الدولة المدنية تعني أن القوانين التي تؤطر علاقة المواطنين مع بعضهم البعض من جهة، ومع الدولة من جهة أخرى، هي قوانين مدنية. بعد ذلك، يبقى من حق أي شخص أن يكون متدينا أو لا. أن يقرأ القرآن أو الإنجيل أو أشعار محمود درويش...

لكن، كيف نشرح هذا الكلام لعينات بشرية تؤول كلام الرسول نفسه حسب هواها ومصالحها الآنية، لتجعله ضعيفا أو متينا؟ كيف نشرح لهم بأن تدينهم هذا، يبعدهم كثيرا عن القيم الإنسانية؟

اقرأ للكاتبة أيضا: هذا الموضوع أهم بكثير!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

تونسيون خلال تشييع الرئيس السبسي

مالك العثامنة/

كان يمكن لوفاة الرئيس التونسي باجي قايد السبسي أن تمر كحدث عادي (بكل ما يليق من حزن) فيرسخ دولة المؤسسات والقانون في جمهورية تونس، وهو الأمر الطبيعي المفترض والمنشود في كل تلك الدول من الخليج "إياه" إلى المحيط "ما غيره"، خصوصا أن الراحل رحمه الله كان قد بلغ التسعين من العمر وقد أنبأ بوفاته قبل أسابيع بدخوله المستشفى وبغيبوبة مرضية.

حسنا، لقد كانت تونس بعمومها (بعيدا عن شواذ المتطرفين)، دولة مؤسسات فعلا منذ لحظة وفاة السبسي وفي جنازته الرسمية ومراسم تداول السلطة وإعلامها الرسمي والأهلي بمؤيديه ومعارضيه.

لكن الحدث تجاوز العادي "المفترض وجوده"، لأن "غير العادي الفارض وجوده" من تطرف وتعصب إسلاموي في عالمنا العربي لا يزال يطل برأسه ليفسد اللحظة ويهز ولو قليلا مراتب الحزن المهيب في تونس.

لم يكن بورقيبة ديمقراطيا، لكنه كان رجلا تنويريا

انتصر الوعي التونسي رغم المنغصات، ورغم فيديوهات وتعليقات ساقطة إقصائية أصدرها دعاة العتمة مثل وجدي غنيم الذي يقيم في تركيا ومنها يصدر فتاويه الكريهة بحق رجل دولة رفيع المقام مثل السبسي، ويهين التونسيين بينما زميله الإخواني عبدالفتاح مورو يمشي خلف جنازة الرئيس الراحل المهيبة، وقد تغلب وعيه التونسي على تعاليم سيد قطب البائسة.

انتصرت الدولة المدنية في تونس، تلك التي كانت مزروعة في العقل الجمعي التونسي وأطاحت باستبداد زين العابدين بن علي، الديكتاتور الذي حجب تونس عن وعيها الكامن فيها لعقود، لكنه لم يستطع بكل قبضته الأمنية أن يلغي هذا الوعي الكامن في العقل الباطني التونسي.

لكن، هل كان هذا الوعي "المدني" التونسي بورقيبيا؟ هل هو حصاد ما زرعه بورقيبة فعلا، أم أنه تراكم تاريخي طويل يبدأ من قرطاج وقبلها من هجرات الواندال وما بعدها من ثقافة شعوب الأمازيغ العريقة؟

هل يمكن اعتبار حرية المرأة التونسية نتيجة مباشرة لسطوة بورقيبة في تمرير مجلة الأحوال الشخصية أم هي إعادة إنتاج لروح الحرية التونسية منذ الملكة الأمازيغية المقاتلة "ديهيا" والتي لا يزال العرب بتاريخهم المشرقي الصحراوي الكلاسيكي يحاولون طمسها بتسميتها بالكاهنة؟

لا يفي مقال هذه الأسئلة حق الأجوبة الصحيحة والمنهجية؟ ولا كاتب مثلي متواضع الإمكانيات في الدراسات التاريخية لكنني أسعى إلى قراءة المناطق المعتمة من هذا التاريخ وباستمرار.

♦♦♦

مشهد

في سبتمبر الماضي، صديق مسيحي كاثوليكي أخبرني أن لقاءنا سيتعذر صباح اليوم التالي، لأنه سيذهب لصلاة الأحد في كنيسة فرنسية (والفرنسية لغة لا يتقنها صديقي الطيب والمؤمن).

ظهيرة الأحد، كنت قد وصلت إلى نهاية شارع بورقيبة الشهير في العاصمة، لأجد على يميني كنيسة ضخمة مشرعة الأبواب، دخلتها وكانت مراسيم الصلاة قد انتهت للتو، سألت فكان الجواب أن الصلوات بالعربية (والتي يتحدث بها صديقي الطيب والمؤمن).

♦♦♦

المشهد يعود للذاكرة مرارا وتكرارا، مرة حين تعرض الشارع الطويل والشهير نفسه لحادث إرهابي من قبل متطرفة فجرت نفسها، ومرة من خلال جدل متواصل حول مقاهي الشارع التي ترفض تقديم البيرة للطاولات التي على الرصيف خوفا من متطرفين عابرين، واليوم يعود المشهد وأنا أقرأ عن تونس تاريخيا وأحاول فهم الأحجية التونسية التي لا يدركها إلا "التوانسة" كما يحبون تسمية أنفسهم.

حرية المرأة كانت أهم ما نادى به الطاهر حداد

على بعد مسافة مشي قصيرة من تلك الكنيسة الكبيرة في نهاية شارع بورقيبة، يتموضع جامع الزيتونة القديم والعريق، وقد بناه القائد الإسلامي حسان بن النعمان معلنا ببنائه نجاحه في احتلاله العسكري للمنطقة بعد هزيمته الملكة المقاتلة ديهيا وقطع رأسها وإرساله إلى الخليفة في دمشق.

الجامع مبني على أنقاض كاتدرائية قديمة، تماما مثل الجامع الأموي في دمشق المبني على كاتدرائية مسيحية تحوي قبر يوحنا المعمدان.

تلك معضلة تاريخية تثير جدلا عاصفا دوما، وسيثور الجدل على فقرتي تلك مثلا في التعليقات والردود على مقالي هذا إلى ما لا نهاية.

لكن "التوانسة" بتركيبتهم التاريخية الفريدة والمميزة، يتغلبون على كل ذلك الجدل ويتصالحون مع تاريخهم المتشابك والمعقد بوعي الدولة المدنية ومفاهيم الحرية الإنسانية.

التوانسة هؤلاء الذين انتخبوا التيار الإسلامي "حزب النهضة" بعد إطاحتهم باستبداد بن علي، وحين أخفق الإسلاميون بتحقيق ما يريده المواطنون المدركون لمفهوم المواطنة، انتخب "التوانسة" حزب نداء تونس، واستحضروا شخصية محترمة من عهد "بورقيبة".

انتصرت الدولة المدنية في تونس، وأطاحت باستبداد زين العابدين بن علي

لم يكن بورقيبة ديمقراطيا، استأثر بالسلطة زمنا طويلا سمح لرجل أمن بوليسي أن يختطفها منه ومن الشعب، لكنه كان رجلا تنويريا لم يخترع العجلة، بل أعاد الروح لمن سبقه من تنويريين مثل الطاهر حداد ومعلمه محمد علي الحامي وغيرهما من مناضلين نقابيين ومقاومين كانت روح "النهضة المدنية" تعيش فيهم.

حرية المرأة كانت أهم ما نادى به الطاهر حداد، الذي مات كمدا بعد محاصرته واغتياله مدنيا من قبل قوى التطرف الديني.. لكن أفكاره وجدت طريقها بعد الاستقلال.

بعد ثورة تونس عام 2011، صحح التوانسة ثورتهم الأولى بحركة وعي تصحيحية أعادت تنوير "بورقيبة" لكن مع دمقرطة "البورقيبية".

ومع وفاة السبسي، تنتهي مرحلة يبدأ فيها التوانسة مرحلة نترقب فيها تجربة ناضجة، لم تتأثر بعد الربيع العربي لا بالكاز ولا بالغاز، لكنها مليئة بالتربص والتصيد ورهاني كمراقب دوما على هذا العقل الجمعي التونسي.. الذي قرأته بوضوح وبهجة "وحزن لائق" خلف نعش رئيس الجمهورية التونسية.

اقرأ للكاتب أيضا: إعلام على رقعة شطرنج

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG