رابط إمكانية الوصول

logo-print logo-print

آراء وتحليلات

الإثنين 9 ديسمبر 2019

التقويم
ديسمبر 2019
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31 1 2 3 4
نتابع فضائح الآخرين على المواقع الاجتماعية وننتشي بمصائبهم

سناء العاجي/

نحن خير أمة أخرجت للناس. ننهى عن المنكر ونأمر بالمعروف.

لذلك بالتحديد، نتابع فضائح الآخرين على المواقع الاجتماعية وننتشي بمصائبهم.

ولذلك بالتحديد، نفضح بعضنا البعض على هذا الموقع أو ذاك.

في أقل من شهر، تابعنا في المغرب حكاية أم فضحت ابنها على مواقع التواصل حين سجلت، متعمدة وعبر إخفاء هاتفها، خصامها معه ومع زوجته؛ ثم نشرته على الإنترنيت.

ثم بعدها بأيام قليلة، خرجت زوجة مغني راب مشهور لتفضح علاقته المحتملة مع ممثلة مغربية، معتبرة أن علاقته بها ليست إلا نتيجة للسحر والشعوذة من طرف الممثلة.

قبل ذلك ببضعة أشهر، كان والد بطل رياضي مغربي قد خرج للمواقع الفضائحية ليشهر بابنه بسبب خصام عائلي.

لستَ متدينا ولا حداثيا ولا يساريا ولا محافظا حين تتجسس على حيوات غيرك

ونحن، أمام كل هذا، نشاهد الفيديوهات، نعطي لأنفسنا الحق في التدخل في حيوات الناس ومشاكلهم، نعلق، نتهم هذا ونشتم تلك... نفعل كل هذا ونحن لا ندرك كل حيثيات العلاقات بين مختلف الأطراف.

ما الذي يجعلنا متأكدين أن الابن عاق أو أن زوجته ظالمة؟ كيف لا نسائل سلوك أم تزور ابنها وفي يدها هاتف تخفيه متعمدة لتسجل خصاما تعرف مسبقا أنه سيحدث؟ كيف تقرر زوجة أن تجد حلا لمشاكلها الزوجية على موقع يوتيوب، بدل المحاكم للحصول على الطلاق أو التواصل مع زوجها لإصلاح ما فسد؟ كيف لا نلوم الزوج على خيانته ونعتبر أن العشيقة وحدها مسؤولة، بل ونروج لخطاب الخرافة والشعوذة (طبعا، ما دام ذلك يمكننا من تبرئة الزوج)؟ كيف لا نسائل سلوك أب يختلف مع ابنه في موضوع شخصي عائلي، فيقرر فضحه على مواقع تبحث عن مثل هذه الهفوات؟ كيف لا نحترم خصوصية علاقة شخص بوالده أو بوالدته؟

ومع كل هذا، نتغنى جميعنا بشعاراتنا عن الأخلاق والقيم والتدين.

أي أخلاق في تلصصك على حيوات الآخرين؟

أي تدين في مشاهدتك لفيديوهات فضائحية تضر أشخاصا لا تعرف ظروف حياتهم ولا أسباب تطور علاقاتهم بالآخرين بهذا الشكل؟

ألا تفكر لحظة واحدة في الألم الذي يعيشه ذلك الشخص، أبا أو زوجة أو ابنا أو أما أو أختا، وهو يتابع تفاصيل حياته الخاصة تخرج للعلن؛ بل وتخرج محرفة مسيئة له في أغلب الحالات؟ ألا تفكرين لحظة واحدة، وأنت تنشرين الفيديو على مختلف المواقع، أن ذلك ليس من حقك وأن فيه أذى ومسا بالحياة الخاصة لأشخاص مثلنا، لهم تفاصيلهم وحياتهم وأسرارهم التي يفترض أن نحترمها؟

شخصيا، أرفض، من باب المبدأ، أن أشاهد هذه العينة من الفيديوهات الفضائحية. ولست أفهم من يتابعها بفضول ونهم... وهو يتغنى بقيم على النقيض من هذا السلوك.

سهل أن نرفع جميعنا شعارات الأخلاق والقيم. لكن الأصعب أن تشبه قيمنا وشعاراتنا، سلوكياتنا اليومية.

أرفض، من باب المبدأ، أن أشاهد هذه العينة من الفيديوهات الفضائحية

لستَ متدينا ولا حداثيا ولا يساريا ولا محافظا حين تتجسس على حيوات غيرك وتساهم في نشر تفاصيل حياتهم التي أخرجها شخص مريض (مهما كانت صلة قرابته بهم) بدافع الإيذاء والانتقام.

ثورة المعلومات يفترض أن تساهم في تطوير المعرفة، في التنديد بالظلم السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، في فضح الفساد، في مناقشة القضايا العامة.

أما الذي يلجأ إلى يوتيوب ليفضح أفراد عائلته، فهو شخص مريض يحتاج لزيارة عيادة الطبيب النفسي أكثر مما يحتاج لمنشوراتنا المآزرة أو المنددة.

ومثله، فكل شخص يشاهد تلك الأشرطة أو يساهم في نشرها وتعميمها، هو شخص يحتاج لأن يطرح على نفسه أكثر من سؤال عن قيمه وأخلاقه وشعاراته التي يتغنى بها.

اقرأ للكاتبة أيضا: "ملحد ماسوني شيعي مسيحي مثلي.."

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
سيدة تحمل صورة أحد أقاربها في مايو 2019 بعد دفن بقايا رفاة 81 ضحية بعد اكتشاف بقايا 84,437 من ضحايا الإبادة الجماعية التي حصلت في رواندا عام  1994

مالك العثامنة/

"دور الإعلام في حل النزاعات وبناء السلام".

كان هذا عنوان المؤتمر الذي كنت من ضمن المشاركين فيه مع نخبة من الخبراء والمهنيين والإعلاميين في تونس مطلع هذا الأسبوع. كانت فعالية مكثفة ليوم واحد فقط، لكنها متخمة بالمدهشات التي تثبت لي أن المعرفة محيط كبير لا نهائي وأننا دوما بحاجة إلى المعرفة الجديدة.

قد يبدو العنوان عاديا جدا وتقليديا بامتياز، لكن فعليا، وخلف العنوان الفضفاض والذي يوحي بترف الفكرة أكتشف ـ ربما من كانوا معي من ذوات وخبرات اكتشفوا معي أيضا ـ أن هناك فعلا دور إعلامي خطير وحيوي ومهم في حل النزاعات بل وربما تأجيجها أحيانا، وذلك حسب نوع الخطاب المستخدم.

والخطاب لا يقتصر على الكلمات، فالصورة أو المضمون المخفي بين السطور أحيانا قد يكون رصاصة أو ما يتجاوز مفعول قذيفة، وقد يكون الخطاب كذلك زناد المسدس الذي يفجر كبسولة البارود في الطلقة.

المهارة تكمن في توظيف أدوات الثورة التكنولوجية في خدمة المهنية، لا العكس

ألان طومسون، صحفي كندي مخضرم، أيقظني كصحفي عربي من وهم "مركزية الكون" التي أتخيلها لقضايا العالم العربي، حين ذكرنا أننا نعيش على كوكب واحد معا، ومن خلال عرضه لأهم ما في تاريخه الصحفي من قصص، قصة مجازر رواندا. عرض الرجل بخبرته المهنية، التي لخصها في كتاب مطبوع أيضا، مجمل فكرة الدور الإعلامي للصحافة في حل النزاعات أو تأجيجها، ودور الإعلامي من خلال مهنيته في بناء السلام.

العمل ليس سهلا، حتى في عصر الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات، فإن المهارة تكمن في توظيف أدوات الثورة التكنولوجية في خدمة المهنية، لا العكس.

أن يكون لديك منصة تخاطب بها العالم، ليس إنجازا يذكر اليوم، لكن أن توظف أدوات المعرفة والتواصل بطريقة مهنية وجهد احترافي هو التميز الحقيقي.

جانب من مؤتمر "دور الإعلام في حل النزاعات" الذي افتتح أعماله في العاصمة تونس بتنظيم الحرة ومعهد السلام الأميركي
جانب من مؤتمر "دور الإعلام في حل النزاعات" الذي افتتح أعماله في العاصمة تونس بتنظيم الحرة ومعهد السلام الأميركي

في رواندا، كان هناك فيديو التقطه صحفي بريطاني عام 1994، يعني في زمن لم يكن فيه التصوير سهلا، الفيديو الذي التقط مجزرة في شارع في قرية رواندية معزولة عن إدراك العالم، وثق القتل بدم بارد، ووثق منهجية القتل المعتمدة كاستراتيجية مدروسة من قبل مليشيات أغلبية تبيد أقلية، كان العالم حينها يتحدث عن رواندا كصراع بين قبائل، دون فهم التفاصيل، وكان هذا الفهم القاصر كافيا لمليشيات الأغلبية التي تحكم، كي تستمر بمنهجية الإبادة دون قلق من رد فعل.

الفيديو الذي انتشر على العالم، غير وجهة النظر. كان قتلا بدم بارد لرجل جاثي على ركبتيه يصلي في لحظاته الأخيرة، وامرأة خلفه على الأرض تحمل طفلها على ظهرها، وحولهما جثث مترامية.

طريقة القتل والوقت الطويل الذي أخذته العملية أثبت للعالم أن فهمه لما يحدث في رواندا قاصر جدا، وحين تصحح الفهم، تدخل العالم وتداعى، لتنتهي حرب رواندا التي انتهت اليوم إلى دولة مستقرة ومزدهرة وسياحية.

صحفي شجاع واحد، وثق اللحظة في ظروف دموية قاسية، فرسم الطريق للعالم نحو أول خطوة لبناء السلام في هذه الدولة.

ألان طومسون، وبعد سنوات طويلة من فيديو مجزرة هذا الشارع الترابي البعيد والمعزول، بقي مسكونا كصحفي في القصة، فاستأذن (لاحظ أدبيات المهنة هنا)، صاحب الفيديو بمتابعة القصة لمعرفة هوية القتلى في الفيديو، تعريفهم للعالم يعيد لهم إنسانيتهم بدلا من أن يبقوا غبارا على هامش النسيان.

ذهب ألان إلى القرية، وبقياسات بسيطة من زاوية تصوير الفيديو وموقع الشارع حدد بالضبط البقعة التي تمت فيها العملية، ثم قابل الناس وحفر في ذاكرة الجيل الذي عاش الحرب، حتى توصل إلى شهود عيان ثم إلى أهل القتيلين (الرجل والمرأة).. وجد صورا لهما ووثق أسماؤهما.

تلك يا سادة.. صحافة محترمة.

يوجعني التفكير في عملية البحث عن كل هؤلاء الضحايا المنسيين في إباداتنا العربية المتراكمة، اليمن وسوريا والعراق وباقي الجغرافيا المشغولة بالدم منذ زمن طويل.

♦♦♦

على جانب آخر.. في تونس وفي ذات السياق.

دوما أرى في هوامش المؤتمرات ثراء ووفرة في المعرفة عبر من تلتقيهم من ذوات تتعلم منهم وتتبادل معهم الخبرة والمعرفة، تلتقيهم على هامش الحدث، في مقهى أو لوبي فندق، أو مطعم أو ممشى على رصيف.

كنت محظوظا هذه المرة بنخب ثرية، كل له معرفته ويبحث عن جديد الآخر أمامه.

تناقشنا عن موضوع المؤتمر، وفي حديث غير رسمي لم تسجله محاضر الفعالية، طبقنا ما سمعنا وعرفنا على واقع إعلامنا العربي..

يوجعني التفكير في عملية البحث عن كل هؤلاء الضحايا المنسيين في إباداتنا العربية المتراكمة

لسنا قاصرين، هنالك قصص مبهرة في الصحافة العربية، استطاعت أن تبني السلام، وتحقق رؤية إنسانية محترمة.

المؤسف أنها قصص "قليلة" نسبيا أمام صحافة عربية كانت دوما قائمة على خطاب كراهية وإقصاء يؤججان الصراعات والأزمات، والمستفيد دوما سلطة ترسخ استبدادها بشرعية "الأمن والأمان" في لعبة مزدوجة كان الإعلام دوما أهم أداة فيها.

أتذكر مقولة لكاتب أردني كان يسمي زاويته الصحفية فيها وهي تجزيئ لكلمة الصحافة لتصبح "الصح آفة"، وربما هذا هو واقع الصحافة في عالم عربي "الصح" فيه "آفة".

بكل الأحوال وبمجمل الحال، فإنه من تلك الهوامش في المؤتمرات المماثلة، تخرج ربما فكرة جديدة لتضامن مهني يعيد للمهنة بعضا من ضوابطها، وكثير من قيمتها كرسالة بناء لا بلدوزرات هدم.

اقرأ للكاتب أيضا: أنا.. وليلى

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

حمل المزيد

XS
SM
MD
LG